التراث الثقافي غير المادي الهواء الذي تتنفسه الشعوب

التراث الثقافي غير المادي الهواء الذي تتنفسه الشعوب

عـلاء الـبـكـري

يعد التراث  الثقافي اللامادي أو ما يعرف بالتراث الحي عاملا ضروريا في الحفاظ على التنوع الثقافي للشعوب، كونه يشمل المعالم التاريخية ومجموعات القطع الفنية والأثرية، كما يشمل أيضا التقاليد وأشكال التعبير الحية الموروثة من أسلافنا والتي تداولتها الأجيال تلو الأخرى إلى أن وصلت إلينا، مثل التقاليد الشفهية، والفنون الاستعراضية، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والمناسبات الاحتفالية، والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، والمعارف والمهارات في إنتاج الصناعات التقليدية، فهذه المعايير وإن اختلفت إلا أنها تمثل جزءا من تراث ما لشعب ما.

ويمثل التراث الثقافي اللامادي للشعوب التطور الفكري التاريخي والاجتماعي للأفراد والجماعات والتجمعات والمجتمعات البشرية المعنية به، كونه المعبر عن أصالتها ووجودها وتمايزها على مستوى المجتمعات الإنسانية، وهذا ما دفع المجتمع الدولي والمنظمات الدولية إلى مراجعة سبل التعريف به، وبأساليب الحفاظ عليه، وصوته بكافة أشكاله انطلاقا من بنية تشريعية وقانونية تمثلت في صياغة اتفاقية صون التراث اللا مادي عام 2003 من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو”. وقد عرَّفت الاتفاقية المذكورة التراث الثقافي اللا مادي بأنه “الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية، والتي تعدّها الجماعات والمجموعات، وأحيانا الأفراد، جزءاً من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي اللا مادي المتوارث جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة، بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة ومع تاريخها، وهو ما ينمي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها، ويعزز من ثم احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية”. وبالتالي فإننا نجد أن جل الدول والشعوب، وإن لم نقل جميعها، تطمح دائما في استمرارية التراث الثقافي غير المادي من أجل أن تعيش روح الماضي العائش في هويتها في كل زمان ومكان، فتقوم بدور مهم في الحفاظ عليه وعلى استمراريته وبعثه من جديد، وبالتالي تحيي هذا الإرث الحضاري التليد وتحافظ على هذا التنوع الثقافي للإبداع البشري.

في عام 1997، بادر عدد من المثقفين المغاربة ومنظمة اليونسكو بعقد اجتماع في مدينة مراكش المغربية حدد خلاله مفهوم «التراث الشفوي للإنسانية». وتقرر خلاله التفريق بين أعمال هذا التراث بهدف حفظها وإبراز قيمتها، وذلك في إطار “إعلان روائع التراث الشفوي والتراث اللامادي للإنسانية”. وفي عام 2001 ظهر  مفهوم التراث الثقافي غير المادي  أو التراث اللا مادي أو التراث الرمزي، عندما أُعلنت لأول مرة قائمةُ مأثورات تقدمت بها الدول، بناءً على طلب لمنظمة اليونسكو بتحديد مفهوم التراث غير المادي، وذلك في إطار إعلان روائع التراث الشفوي، أو التراث غير المادي للإنسانية، على أن تكون المأثورات المقترحة تعبيراً ثقافياً حيّاً أو مهدداً، وأن تكون قد وضعت لها برامج لصيانتها وتطويرها.

وتكمن أهمية التراث الثقافي اللا مادي في التركيز على الدور الحضاري للشعوب والمحافظة على مكونات الثقافة غير المادية، الشعبية الفولكلورية والشفاهية من الاندثار، بل إن هذا الحفاظ إنما يحقق التواصل المعرفي والوجداني بين الأفراد والجماعات ويطور إحساسهم بالمسؤولية المشتركة إزاء تراث بلدانهم وإغناء تنوعهم الثقافي، بالإضافة إلى أنه يشكل عاملا هاما في الحفاظ على التنوع الثقافي في مواجهة العولمة، كما أن فهم التراث الثقافي اللا مادي للمجتمعات يساعد على الحوار بين الثقافات، ويشجع على الاحترام المتبادل لطريقة عيش الآخر، ويسهم في التماسك الاجتماعي ويحفز الشعور بروح الانتماء والمسؤولية، فأشكال التعبير التي يحققها هذا التراث تغطي الإحساس بالهوية والاستمرارية، وتشكل حلقة وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ولما  كان التراث الثقافي اللا مادي يكتسي كل هذه الأهمية ، فإن  مبدأ حمايته واجب يقع على عاتق المواطن والدولة معا، وأن صونه يتحقق من خلال إبداع البشر والتكيف المستمر مع البيئة الدائمة التغيير.  إن المجتمعات والجماعات التي تمارس هذه التقاليد والعادات في كل مكان في العالم لديها أنظمتها الخاصة لنقل معارفها ومهاراتها، وعادة ما تعتمد على النقل الشفهي بدلا من النصوص المكتوبة. ومن ثم لا يمكن صون أنشطة التراث اللا مادي بمعزل عن المجتمعات المحلية والجماعات والأفراد الذين يحملون هذا التراث.

ومن أجل صون التراث الثقافي اللا مادي والحفاظ عليه، عقدت منظمة اليونيسكو في العام 2003 بباريس، سميت ب “اتفاقية صون التراث الثقافي اللامادي”، وتعد أول اتفاقية  تضع إطارا قانونيا وإداريًا وماليا لصون هذا التراث، وهي عبارة عن اتفاق وفقا للقانون الدولي التزمت به الدول، وتهدف إلى صون التراث الثقافي غير المادي تماشيا مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وتدعو الاتفاقية إلى صون هذا التراث اللامادي الموجود في  أراضي دولة طرف، كما تطلب من دولة طرف تحديد وتعريف وتأريخ هذا التراث بمشاركة الجماعات والمجموعات والمنظمات غير الحكومية ذات الصلة. كما نصت الاتفاقية على الترابط بين التراث الثقافي غير المادي والتراث الثقافي والطبيعي المادي، وأكدت على أن التراث المادي وغير المادي يتطلبان مناهج مختلفة للحفظ والصون، وعلى أن كلاهما بنفس الأهمية في التعبير عن المجتمع وثقافته وتراثه.

إنه وبفضل اتفاقية صون التراث الثقافي اللا مادي التي تبنتها الدول عام 2003، أمكن اليوم تحقيق اعتراف واسع بأهمية صون الممارسات الحية، وأشكال التعابير والمهارات والمعارف التي تغار عليها الجماعات وتعترف بها كتراثها الثقافي، الذي يمكن تحقيقه من خلال المشاركة النشطة والكاملة لهذه الجماعات. كما أن هذه الاتفاقية أرست وبعمق مبدأ صون التراث الثقافي غير المادي في القانون الدولي حيث أصبح مرجعا حيويا للدول الأطراف التي وقعت على الاتفاقية تعتمد عليه في وضع السياسات العامة والقوانين اللازمة. ولقد تحقق ذلك على المستوى العالمي تقريباً، إذ بلغ عدد الدول التي صادقت على الاتفاقية أكثر من 90% من الدول الأعضاء في اليونسكو (78دولة)،  وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في  شهر أبريل عام 2006، وتمت المصادقة عليها في 20 يونيو 2007،  وكانت المملكة المغربية من أوئل الدول الموقعة عليها.

وحول  الهدف الذي ترمي إليه هذه الاتفاقية، تقول إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونيسكو: ليس الهدف الرئيس من اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي حماية التراث الثقافي غير المادي، إنما القصد منها هو صون هذا التراث. فالحماية تعني بناء حواجز حول شكل معين من أشكال التعبير، وعزله بالتالي عن سياقه وماضيه، والحد من وظيفته أو قيمته الاجتماعية، أما الصون فيشمل أيضا الحفاظ على طابعه الحي وعلى قيمته ووظيفته”.

 

المملكة المغربية تراث ثقافي لا مادي متنوع ومتعدد

 

تزخر المملكة المغربية بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي جعلها دوما قنطرة  وصل بين حضارات الأمم والشعوب، بتراث غني أبرز سماته أنه يتميز بالتنوع والتعدد، كما ذهب إلى ذلك عميد الأدب المغربي عباس الجراري، سواء في جانبه الحضاري أو الثقافي، فالحضارة المغربية دائما ما كانت حاضرة على مواقع التراث الإنساني منذ حضارات فترة ما قبل التاريخ.

وكما هو الشأن لقائمة “مواقع التراث العالمي المادي للإنسانية في المغرب”، ساعد الإرث الحضاري العريق والمتنوع للمغرب في بروز عدة روائع من التراث الثقافي اللامادي ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وقد سجل المغرب إلى حدود معطيات سنة 2012، ستة مواقع، ندرجها كالتالي مع الشرح وتدوين سنة التسجيل.

يضم التراث الثقافي اللامادي المغربي مجموعة من الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات المتوارثة جيلا عن جيل. ويتمثل في خمسة مجالات حسب التقسيم المقترح من قبل اليونسكو والمتعارف عليه عالميا: – المهارات المرتبطة بالحرف اليدوية التقليدية. –المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون. – الممارسات الاجتماعية والطقوس والمناسبات الاحتفالية. – فنون وتقاليد آداء العروض. – التقاليد وأشكال التعبير الشفهي بما في ذلك اللغة باعتبارها وسيطا لنقل التراث. ومن بين أمثلة التراث الثقافي اللامادي المغربي المسجل في لائحة اليونسكو يمكن أن نذكر موسم طانطان والفضاء الثقافي لساحة جامع الفنا وموسم الكرز بصفرو والأركان والمعارف المرتبطة به، وتربية الصقور أو ما يعرف بهواية الصقارة، وأخيرا مدينة الرباط العاصمة التي تتوفر على مواقع تاريخية مهمة.

ونشير إلى أنه وفي 16 من دجنبر عام 2020، وبطلب من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، تم إدراج الكسكس، الطبق الشهير بالمنطقة المغاربية، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للبشرية، وذلك خلال الدورة الخامسة عشرة للجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي غير المادي.

وقد انصب اهتمام وزارة الثقافة المغربية مؤخرا على دراسات مجموعة من المعارف والتصورات والمهارات اللامادية التي تسعى إلى عرضها على لجنة الأمم المتحدة (اليونيسكو)، وبالتالي إدراجها هي الأخرى ضمن لائحتها التراثية اللامادية، ونذكر منها : البروكار التقليدي الفاسي، الخزف الأزرق الفاسي، لغة التصفير في الأطلس الكبير ، رقصة الكدرة ، رقصة أحيدوس، رقصة أحواش، والموسيقى الأندلسية والطرب الغرناطي، الملحون والعيطة.

وبتوقيعه على اتفاقية صون التراث  غير المادي، بات المغرب حريصا وملزما بتنفيذ بنود الاتفاقية والاضطلاع بمسؤوليات الصون بما يتفق والخطط والشخصية والسيادة الوطنية واحترام تراث الجماعات والمجموعات والأفراد المعنيين، والتوعية محليا ودوليا بأهمية التراث الثقافي اللامادي وأهميته في خلق الاحترام المتبادل، وبالتالي صوته وحمايته. ولأجل هذا الغرض تم مؤخرا إنشاء مركز ثقافي وبحثي تحت مسمى “دار التراث الشفاهي” بمدينة ورزازات، يركز على التراث المحلي اللامادي ويعنى بحفظه وصونه، كما صيغ كمكان للحوار قبل أن يكون مكانا للعرض والاعتراف بالثقافة المحلية.

من خلال كل هاته المعطيات، يتضح لنا جليا أن المغرب بجمعه بين الإرث الحضاري التاريخي والموقع الجغرافي الاستراتيجي، أضحى الدولة الأكثر غنى بين البلدان العربية والإفريقية من حيث المواقع  المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونيسكو”.

Exit mobile version