عمود حر

مشاهد : موعد مع القدر  

مشاهد: موعد مع القدر  

بقلم بشرى شاكر

جلست أمام المرآة وحملت مشطها وفكت جدائلها لتمشطها، بدأت تشكل التسريحات وتفكها و هي تبتسم تارة وتضحك بصوت عال تارة وكأنها طفلة صغيرة تفرح بصورتها أمام المرآة وهي تخال نفسها صبية يافعة مليئة بالحياة وأجمل من القمر ومع أن مرآتها كانت تعكس جمالها  الطبيعي ، إلا أنها لم تكن تستطيع أن تكتفي به فلديها موعد وربما بعد ساعات فقط سوف يطرق الباب لتفتح ذراعيها للقدر، بحثت بين ملابسها لتجد ثوبا ملائما لمثل هاته المناسبة فلم يعجبها شيء و حدثت نفسها قائلة، كل هذه الفساتين لبستها وموعدي مع قدري يستحق ثوبا جديدا لم تلوثه الأيام ولم تقع عليه عين غير عينا ذلك الطارق المنتظر، فهرعت للباب لتذهب للسوق وتشتري ثوبا، فالموعد قد اقترب ولكنها تذكرت أن الليل أسدل رداءه على نور هذا اليوم وأخفاه بين ثناياه ووعده بنهار آخر، فجلست في سريرها تعد الدقائق وحينما أدركت أنها لن تنام، أخذت أدوات زينتها وبدأت بتقليم أظافرها فلم يكن يعجبها شكلها فكيف سيعجب الطارق؟!!! بل ورغم جمالها كانت ترغب في أن تكون أجمل و تريد أن تغير كل شيء وأن تجرب كل أدوات الزينة التي لم تنتبه لها يوما ولكنه يوم مختلف ما تنتظره  الآن، انه يوم اللقاء، لقاء بعد موعد طويل مع قدر كان بعيدا فانتظرت دنوه بفارغ الصبر وفي محاولات عديدة في ألا تفقد الأمل …

 أتى الصباح متأخرا فقد انتظرته طويلا ، لبست بسرعة ، نسيت حذاءها ونظرت إلى رجليها الحافيتين فأطلقت ضحكة طفولية وعادت تركض من جديد وحملت حذاءها وأسرعت تنتعله وهي ما زالت تركض وتقفز برجل ثم الأخرى وتحس أن العصافير تشاطرها ضحكاتها وهي تملأ هذا اليوم الربيعي زقزقة بل أحست أن الشجر والجدران وكل شيء يفرح لفرحها، أكان جنونا أن تتساءل إن كانت العصافير أيضا تنتظر اللقاء وربما لديها موعد؟ أجابت نفسها فليكن جنونا فما أروعه من جنون…

 ولجت السوق وهي تبتسم في وجه الباعة وهم يعرضون عليها أثوابهم، اقتنت ثوبا بسرعة، لم تكن راضية عنه تماما ولكن لم يتبق لديها وقت…الدقائق التي تمر تنذر بانتهاء المهلة، المهلة لتكون في أبهى صورها وتصبح أميرة أسطورية …

ارتدت الثوب وتزينت وفكت شعرها وتركته حرا متموجا على كتفيها فلم تكن تعجبها أية تسريحة من التي جربتها، و ربما هو يحبه هكذا منسدلا عفويا تماما كما هي معه…

 بدأ العد التنازلي، وفجأة رنت الساعة فقفزت من غفوة استرقتها من لحظات انتظارها وفتحت عينيها بسرعة وانتبهت إلى أن وقت الموعد قد حان و انه لم يتبق سوى أن يطرق الباب فذهبت للمرآة لتلقي نظرة أخيرة على نفسها فأذهلها جمالها وتساءلت كيف يمكنها أن تكون بهذا الجمال ولم تره من قبل؟!!!

و لكنها نفضت عنها تساؤلاتها، فليس الوقت مناسبا لها الآن، فالقدر الذي كانت تنتظره ربما يقف خلف هذا الباب الموصد…

 مر الموعد بدقائق بدت وكأنها دهرا، لا …انه قادم، كل ما في الأمر انه تأخر فالمسافة بعيدة، ربما تأخر القطار، ربما فاته وسوف يستقل غيره…

كل دقيقة كانت تمر وكأنها ساعات طويلة وبدأت عينيها تتثاقل رغبة في النوم فهي لم تتذوق طعم النوم منذ أيام وهي تنتظر وتترقب …

لا …لن تنام فقد يأتي القدر ليطرق بابها وقد تتسلل أشعة الشمس إلى بيتها دون أن تكون مستيقظة لتستقبلها…

لم تنم …وانتظرت…ولكن الجرس لم يرن…وعقارب الساعة لم تكف عن الدوران…وأصبحت تسمع صوتها قويا، فوضعت يديها على أذنيها لكي لا تفقد عقلها من صوتها الذي يعلو بقوة شيئا فشيئا…

قبل ساعات فقط لم تكن تسمع صوت الساعة، لأن نبض قلبها كان متسارعا لدرجة أنها لم تكن تسمع غير صوته، أما الآن فكأنما بدأ قلبها يتوقف عن إصدار أي صوت ولا حتى صوت الأمل فعوض نبض عقارب الساعة نبض قلبها المجوف…

 استعادت ثقتها بقدرها وقامت في اليوم التالي تستعد له من جديد وترتدي ثوبها وتتزين، فلربما اليوم سوف يرن الجرس وسوف ينتهي الترقب والانتظار…ولكن… أيضا لم يأت الزائر ولم يتحقق الموعد …

وكانت  كلما أصبحت، تمني نفسها بأمل جديد ولكنها كانت كلما نظرت لمرآتها، ترى صورتها اقل جمالا من اليوم الذي سبق حتى انعدم الجمال في الصورة التي بدأت تعكسها مرآتها، فأهملت نفسها معللة ذلك بأنها مهما فعلت فلن تكون جميلة فهي لا تبدو كذلك حينما تنظر لمرآتها فلماذا تتكبد العناء؟؟

 أهملت نفسها فأهملتها مرآتها، ولكن هناك صوت ضعيف بداخلها بقي يتساءل لم يأت وماذا بعد؟ أكان هو سبب جمالك وهو من حوله إلى قبح؟ أم كان ذلك الشعور الذي كان يجتاحك ويغمرك فرحا وأنت تنتظرين موعدك مع القدر؟ فإن كان ذاك، فقدرك هو ما أنت فيه وهو من طرق بابك وتنتظرين غيره، تزينت للموعد فلم يقف احد خلف الباب الموصد ولكنك لم تنظري للنوافذ المفتوحة التي تدعو روحك للانطلاق ولو فعلت لعكست مرآتك نفس صورتك الأولى في كل وقت وحين و ليس فقط حينما ترتبطين بموعد لم يتحقق…

 قامت وغسلت وجهها الكئيب وحملت مشطها لتفك اشتباك شعرها الذي أهملته، ثم نظرت لمرآتها التي استقبلتها بأن عكست صورتها الأولى وهمست لها: انظري أنت جميلة لأنك كذلك وليس لأنك بحاجة لرنة جرس…

ابتسمت لمرآتها وهي تنظر لصورة الأميرة التي تسكن الطفلة ودفنت للأبد وجهها القبيح….

 إهداء إلى الأب الروحي: الشاعر والكاتب طلعت سقيرق رحمه الله

اظهار المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق