عمود حر

أزمة كورونا ونظرية ماسلو يوحدان العام في سلوكيات مشتركة/ في هاته الظروف: كن انسانا او ابق في اسفل الهرم

أزمة كورونا ونظرية ماسلو يوحدان العام في سلوكيات مشتركة

في هاته الظروف: كن انسانا او ابق في اسفل الهرم

بقلم بشرى شاكر

من فينا كان يعتقد انه سيعيش ازمة وباء عالمي يجتاح العالم برمته في وقت واحد وبوتيرة مخيفة حتى يصبح العالم الذي كنا نقول انه قرية صغيرة  بفضل سهولة التنقل والسفر الذي اصبح متاحا اكثر، مجموعات منغلقة ومنعزلة عن العالم، بل عائلات منعزلة وافراد ينعزلون، غالبيتنا كان يقرأ عن ظواهر الوباء تاريخيا ولكنه لم يتوقع يوما أن يكون جزءا من هذا التاريخ، ولكننا نعيشه الآن مع ظهور وباء كورونا او فيروس كوفيد 19، والذي ومنذ تفشيه في الصين التي استطاعت ان تسيطر على انتشاره مؤخرا، راح ضحيته 7007 شخص واصيب به ازيد من 175530 شخص في 145 دولة منذ انتشار الوباء الذي تحول حسب منظمة الصحة العالمية الى جائحة دولية…

واذا كان العالم قد اشترك في الوباء واصبح وحدات منعزلة بعدما كان يوصف بالقرية، فإننا ايضا اجتمعنا في السلوكيات، سلوكيات تعرفنا عليها بفضل الوسائل الرقمية ولاسيما الصفحات لاجتماعية، ففي امريكا راينا  كيف ان عائلة بأكملها تتهافت على الورق الصحي وتتخاطف على اخر عبوة متبقية وكيف أن سيدة امريكية تدفع سيدة عجوز من اجل عبوة اخرى دون ان تفكر في سنها او انه ربما يمكنها ان تتسبب في موتها، في اسبانيا راينا نفس الشيء وربما بشيء اكبر وفي هولندا،  اصبحت اروقة المتاجر الكبرى والأسواق الممتازة، تفرغ في رمشة عين، وفي فرنسا رأينا كيف أن سوقا نموذجيا حدد ساعات عمله لإعادة التزود بالأساسيات وما أن أعلن عن فتح ابوابه حتى كان هناك هجوم مرعب عليه من الاف الاشخاص بشكل بعيد عن احتياطات الوقاية، وفي المغرب ما أن بدأ الحديث عن العزل الوقائي وضرورة المكوث في البيت تهافت الناس على الاسواق الممتازة واشتروا سلعا كثيرة من زيت وسكر وطحين وغيره وتهافت الناس في عدم ادراك للمسافة المسموح بها للوقاية على الاسواق والبائعين المتجولين وفي مصر وفي لبنان وفي شتى بقاع العالم…

حينما تحدث أبراهام ماسو عن تسلسله الهرمي اثناء بحثه “نظرية الدافع البشري”، والتي فصلها في كتابه ِ “الدافع والشخصيّة” سنة 1954، العديد انتقد تسلسله الهرمي والعديد رأى أن الافراد يلتقون في الاحتياجات لتكون لهم نفس السلوكيات فيمكن ان يقفز احدهم من مرحلة هرمية الى اخرى متجاوزا احداها، فيمكن ان يقتصد احدنا في طعامه ليقتني ساعة احبها او لباسا يريده ولكن هل كانوا على حق؟ هل فعلا يمكن للفرد أن يتخلى عن اسفل الهرم واحتياجاته الاساسية من اجل احتياج اخر اثناء ضغط وباء مثل وباء كورونا؟؟ هل نختلف في السلوكيات، باختلاف شعوبنا؟؟

صحيح ان احتياجات الانسان تبقى رهنا ببيئته الثقافية والاجتماعية والتربوية ووضعه الاقتصادي كذلك، فهناك مجتمعات تراها اكثر تضامنا من اخرى وهناك احتياج اساسي بالنسبة لشخص لأنه يصل له بمشقة فيعتبره من الاساسيات، يتجاوزه اخر لأنه يمكنه الوصول له بسهولة ويراه امرا مفروغا منه ويعمل على بلوع احتياجات اخرى، ولكنه نفس الاحتياج يصبح اساسيا لكلاهما بنفس الحدة في فترة الازمات، وهناك من يشعر بالتقدير الذاتي ويحقق ذاته ويشعر بالرضا اذا شارك في رحلة قنص مثلا وبقدر ما صاد من طرائد بقدر ما يشعر بالرضا والعنفوان وآخر يرى ذلك سادية وغير مبعث فخر، في حين ينظر لعمله العلمي مثلا، بفخر ويراه قمة الشعور بالرضا الذاتي وفي كلتا الحاتين تفرق بينهما ثقافة وبيئة وتربية.

ولكن في ظل ما نعيشه الآن، بتنا نرى ان ابراهام ماسلو في اختياره لهرمه لم يكن مخطئا، فالفيديوهات والمقاطع المصورة من كل الدول تبين ان اسفل الهرم يشكل هو اساسي لكل البشرية وانه في وقت تنحصر فيه الاختيارات وتضيق فيه الحلول، فإن الكل يبحث عن اساسيات الحياة، وكلما نشاهده هو اسفل الهرم فقط، فالكل يصارع من اجل الحاجات الفيسيولوجية: الطعام، الماء، النون، الاخراج، التنفس والكل يريد أن يحقق ذلك في اقرب وقت وبشكل مستمر لمدة معينة من اجل تحقيق المرحلة الثانية من الهرم واتي تمس الشعور بالأمان، السلامة الجسدية والصحية، أمن الموارد ثم بعدها الأمن الوظيفي الذي سيكون سببا في تلبية الحاجيات السابقة، أما المرحة الثالثة من الهرم، فيبدو انها بدأت تتلاشى اهميتها نسبيا وهي الحاجة لأصدقاء والعلاقات الاسرية، بسبب فرض الحظر وبسبب نقص اهميتها مقارنة مع الاحتياجات السابقة، اما مرحلة تقدير الذات واحترام الاخرين، ففي سلوكيات الشعوب جميعها عبر ما نشاهده حول العالم  دون قياس الاقلية، التي نراها، تساعد الاخر لتشعر بتقدير ذاتي يشعرها بالارتياح، فإن أغلب السلوكيات تدل على انانية مفرطة وحب للذات دون التفكير في الاخر.

العالم برمته، تحول الى اسفل هرم ماسلو، فقبع عند الصراع على الاساسيات والرغبة في تلبيتها قبل التفكير في أية مرحلة اخرى، ومع ذلك فإن هناك ظهور حاجيات اخرى، فالعديد كرر نفس السؤال حتى في الدول الغربية،  هل الورق الصحي من الأساسيات للصراع عليه بهذا الشكل الذي نراه؟، اذا كان الاخراج في اسفل هرم ماسلو مع الاكل والشراب والتنفس فهو اذن من الاساسيات، كما أن هذا يدل على ان هناكاحتياجات تتطور لتصبح اساسية ورئيسية وبالتالي فان هرم ماسلو في الفترة التي نحن فيها يكون صحيحا ويظهر انه فعلا نحتاج لسد وتلبية الحاجيات الاساسية قبل التفكير في احتياجات اخرى بالأخص في ظل وباء أو حصار أو ما شابه، والورق الصحي اصبح يشكل اساسيات اسفل الهرم ولم يعد مجرد احتياج كمالي مثله مثلما اصبحت المعقمات تعد اساسية لشعوب كثيرة وربما لم يكن العديد يفكر فيها ويكتفي بالصابون …

ولن اذا كان العالم كله عاد الى اسفل هرم ماسلو، والكل يبحث عن تلبية احتياجاته الشخصية والاساسية، فهي فترة ايضا يمكننا فيها ان نلبي احتياجاتنا كما نستطيع ، مع عقلنة هاته الاحتياجات دون التهافت المرضي الذي لا يوجد له ادنى مبرر، وبنفس الوقت، نتضامن مع الاخر الذي يحتاج لنفس ما نحتاجه، الكون متغير والنظريات تتطور ويبقى الاختيار بين يديك: ان تكون انسانا او تبقى اسفل الهرم !

اظهار المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق