كلمة فرح

تجرية الحجر الصحي: هكذا تعلمنا التأقلم وتطوير انفسنا فكيف نستفيد من هذا مستقبلا؟

تجرية الحجر الصحي: هكذا تعلمنا التأقلم وتطوير انفسنا

فكيف نستفيد من هذا مستقبلا؟

بقلم بشرى شاكر

ان ما اصاب العالم من جائحة كان له بالتأكيد اثار سلبية نفسية كثيرة على الافراد واقتصادية واجتماعية ايضا على المجتمعات ككل، ولكنه جعلنا نتعلم كيف نطور انفسنا تماما كما تتأقلم الحياة مع الطبيعة والمتغيرات الكونية، جعلتنا نعي ان الحياة تستمر ولا تتوقف، ان كل نهاية ترافقها بداية جديدة…

متاجر كثيرة ومحلات كثيرة اقفلت ولكن اصحابها استطاعوا التكيف مع الوضع وغير الكثير منهم نشاطه نحو تجربة التوصيل المنزلي، فلاحظنا محلات الجزارة تنشر اعلانات بأرقام هواتف على الصفحات الاجتماعية بالخاص فيسبوك وانستغرام معلنة انها تقوم بتوصيل الطلبات الى البيوت، نفس الشيء قام به بائعو السمك بعد اقفال اسواق السمك، وكانوا يضيفون لإعلاناتهم انهم يقومون بتنظيف الاسماك وترتيبها بشكل يمكنك من استعمالها او الاحتفاظ بها في المجمد حسب احتياجاتك، محلات بيع الخضر ايضا قامت بنفس الشيء، وايضا بدأت هاته الظاهرة لدى تجار الآلات الرياضية، بحيث انهم استفادوا من التزام الاشخاص ببيوتهم وعدم تمكنهم من زيارة القاعات الرياضية المقفلة وعدم السماح لهم بممارسة الرياضة خارج البيت، فاصبحنا نرى اشهارات كثيرة لألات رياضية جديدة بسيطة وغير مكلفة ومعها اعلان التوصيل للبيوت ونرى كم التعليقات التي تطلب الحصول عليها

بعض الشباب ايضا ممن ليست لهم تجارة معينة ولكنهم يتوفرون على سيارة او دراجة نارية قاموا بوضع اعلانات التوصيل للمنازل وهم يقومون بتوصيل كل ما يحتاجه الشخص دون استثناء اذ انهم مجرد وسيط بينه وبين البائع..

بائعو المواد الصحية والمعقمات والمطهرات المنزلية ايضا اصبح لهم نظام توصيل واشهار خاص

كل هؤلاء كان شعارهم واحد، ايصال الطلبات في وقت وجيز والاهم مع احترام معايير الوقاية والسلامة الصحية.

ولأن الحجر استمر في رمضان ايضا، فقد طفت كذلك ظاهرة توصيل الوجبات الرمضانية ولاسيما الحلويات والمعجنات ولم تكن الاعلانات فقط صادرة عن المخبزات التي اضطرت للإقفال وانما ايضا من ربات بيوت يقمن بالطبخ داخل بيوتهن وتعلمن كيف يقمن بتعبئة الطلبات بشكل سليم وصحي ولاقين اقبالا كبيرا من العديد من المواطنين.

كل هؤلاء كانت لهم سمة مشتركة هي استعمال رقم واتساب لتأكيد الطلب والدفع عند الاستلام وربما هاته الميزة الاخيرة كان العديد يفضل لو انها تطورت ليكون الدفع عبر الانترنيت ولكن، لأن غالبية من قام بهاته الحرف من المهنيين البسطاء او الاشخاص المعنويين فلم يكن ذلك ممكنا وربما يكون فرصة تطوير لمهامهم لاحقا من يدر؟

هذا ليس كل شيء، ففي بعض الشوارع وانت تمر منها، تصادفك ظاهرة جديدة، فاذا كنت تلتقي من قبل وانت بسيارتك يوميا مع بض الشباب، ممن يحملون سطل ماء ومنشفة ويسالونك تنظيف سيارتك مقابل بعض الدراهم، فهؤلاء ايضا طوروا من انفسهم واصبحت تراهم يرتدون بدلة واقية وقناع طبي ويحملون فوق ظهرهم انية مليئة بالمعقم والمطهر يعلوها بخاخ كبير (وهي غالبا المستعملة في رش السماد لدى المزارعين)، ويقومون بتنظيف السيارات وتطهير العجلات، وكان يبدو المنظر غريبا كأننا نشاهد فيلما من كوكب اخر ونحن نراقب شخصا يرتدي بدلة تشبه بدل رواد الفضاء وهو يعقم عجلات سيارة وصاحبها يضع قناعا ويطل من نافذة سيارته متابعا سير العمل الجديد!

اما في الاعمال الاداريةK فهذا التأقلم كان واردا ايضا، فالعديد من الشواهد والطلبات اصبح بإمكان الشخص الحصول عليها رقميا دون الذهاب للإدارة واضطر العديد من الموظفين الى متابعة اعمال العملاء رقميا سواء من مكاتبهم او من بيوتهم او حتى من هواتفهم

وتحول الاعلام الذي كان يثير جدلا بين الاعلام الورقي التقليدي والرقمي الحديث، الى اعلام رقمي رغما عنه، ولم يتغير شيء سوى أن من كان معتادا على تصفح الجرائد في جلسة مقهى صباحية او ملئ شبكة الكلمات المتقاطعة لم يعد بإمكانه ذلك وعوض ما يقضيه من وقت في المقهى بجلوسه على صفحات  الفيسبوك او في منتديات ثقافية في مجموعات الواتساب واصبح ايضا يتابع العابا رقمية اشتهرت كثيرا في الحجر الصحي، واكب الاعلام الالكتروني اكثر من أي  وقت سابق كل الاحداث واستطاع الصحفيون ان يصوروا برامج ولقاءات عن بعد لم تقل براعة عن برامج كانوا يقومون بها في عين المكان ، فحتى اختيار المكان كان يمكن ان يتغير حسب الرغبة والحاجة بفضل شاشة خضراء ووسائل التكنولوجيا الحديثة، حتى تساءل العديد من الافراد عن ضرورة الورق في عهد اصبح كل شيء رقمي سريع في تواصله وسريع في تلقيه؟

الندوات الصحافية الرقمية والمؤتمرات الافتراضية اكتسحت وسائل التواصل الحديثة وتعرف العديد على تقنيات حديثة مثل “زوم” “والفيسبوك تايم” وغيرها اضافة الى السكايب ومكالمات الفيديو المعروفة بالوسائل المتاحة واصبح الاجتماع الذي يمكن ان تقوم به في اربع ساعات بين تنقل لمكان اللقاء ومجاملات وتناول شاي او قهوة واجتماع وتقارير ومجاملات ثانية وعودة لمقر عملك او لبيتك يمكنك القيام به في نصف ساعة وانت تحدث شركاءك كأنك معهم.

أما التعليم عن بعد، والذي اصبح واجبا على الطلبة وارغم عليه حتى من يفضل الخروج والذهاب للجامعة والمدرسة ولقاء الاصدقاء، كان اداة جميلة لمعرفة من يعتمد على نفسه وواع بمصلحته ويبحث عن مستقبله من خلال اهداف يرسمها لنفسه ومن يدرس فقط لأنه مرغم على فعل ذلك، فتفوق هنا من استطاع اساتذتهم ان يجعلوهم يشعرون بالمسؤولية وبما فيهم اطفال صغار شعروا بالفخر كونهم اصبحوا جزئا مهما من قرار حماية انفسهم واهلهم ووطنهم وشهادات تلاميذ صغار اثلجت صدور اساتذتهم وهم يشكرونهم لانهم جعلوهم جزءا من تجربة جديدة بشكل سلس ومرح وغير اعتيادي

التكوين والتدريبات ايضا تلقاها العديد من الموظفين والطلبة عن بعد ولم يتوقفوا عن دراستهم لان الحجر الصحي اقفل المعاهد وانما استمروا وبحثوا وتعلموا واجتازوا امتحانات ايضا.

كل ما سبق وذكرته ما هو سوى جزء يسير من محاولات التأقلم والتكيف مع مرحلة الجائحة التي حاولت الجماعات كما الافراد ان يقوموا بها تماما مثلما تتأقلم الطبيعة مع المتغيرات الكونية، كل هذا يدل على انه يمكننا ان نتغير ونغير وضعنا المهني والاجتماعي وانه ليس علينا بالضرورة ان نبقى حبيسي اربعة جدران ليكون عملنا متقنا، وليس بالضرورة يجب ان نترك عشقنا للطبيعة والسكن في احضانها لنختار سكنا وسط حي صاخب حتى نكون قرب مراكز عملنا، وليس بالضرورة علينا ان نجلس ساعات كثيرة خلف شاشة حاسوب دون ان نخرج ونستمتع وبنفس الوقت نعمل بشكل افضل

ان كانت جائحة كورونا والحجر الصحي جعلتنا جميعنا نتأقلم ونكيف احتياجاتنا وعملنا فلا شيء يمنعكم بعد اليوم من أن تغيروا من انفسكم، ضعوا لأنفسكم ظروف عمل افضل، تجنبوا ارق العمل الطويل خلف حواسيب وفي مكاتب مقفلة، ابحثوا عن التوازن بين العمل وبين الحياة الاجتماعية، ففي الحجر الصحي ايضا، عرف من حرم من اهله واصدقائه معنىأن الحياة لا تقتصر فقط على العمل والكسب وانما هي ايضا اشياء كثيرة نسيناها فذكرتنا بها الطبيعة، طوروا مهنتكم واجعلوا منها متعة لكم ولغيركم، متعة لكم لان نفسيتكم سوف تتحسن ولغيركم لانكم بالتأكيد سوف تكونون اكثر انتاجا وانتم اكثر سعادة واستمتاعا

ولمن يريد التغيير الجذري ويرى انه بحاجة لذلك، انها الفرصة لتعيد كتابة سيرتك الذاتية مع اضافة ما تعلمته اثناء الحجر او ما اكتشفته من مواهب لديك وانت في نظام عمل جديد ولا تتردد افعل ما تريد فالحياة اقصر من ان نقضيها فيما لا نريد فقط لأنه واجب

ان استطعتم ان تتأقلموا وتصنعوا مهنا جديدة وتعيشوا الحجر بشكل سليم فبمقدوركم ان تعيشوا حياة افضل هي الفرصة اذن للاستفادة من تجاربكم فاستغلوها …..

اظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى