عاشت آسفي في الأيام الأخيرة على إيقاع فيضان جديد أعاد إلى الواجهة مشاهد ثقيلة الوطأة. تساقطات رعدية عنيفة أحدثت تدفقات فيضانية مفاجئة، خلّفت خسائر بشرية ومادية جسيمة وأثارت نقاشًا حول الجاهزية والمسؤولية.
ووفق حصيلة محيّنة للسلطات المحلية، بلغ عدد الوفيات تسعا وأربعين حالة نتيجة جرف السيول أو غمر المياه لمناطق متعددة داخل الإقليم.
وفي الوقت نفسه، تواصل السلطات عمليات التمشيط والإنقاذ، وتعمل على تأمين المناطق المنكوبة وضمان سلامة المواطنين.
وأعاد هذا الحدث إلى الواجهة سجلًا مفتوحًا من المعاناة، حيث تستيقظ المدينة مع كل موسم مطري على السؤال نفسه: لماذا ما تزال آسفي عاجزة عن استيعاب غضب الماء؟ سؤال يخص الحاضر وجذوره متعمقة في تاريخ عمراني وبيئي تراكم بصمت، حتى طفا فجأة مع أول فيضان.
ذاكرة الفيضانات: تاريخ لا يهدأ
عرفت آسفي عبر عقود متتالية فيضانات تركت ندوبًا في الذاكرة الجماعية. أحياء غرقت، طرقات انقطعت، ومنازل تحولت في ساعات إلى فضاءات للخوف والترقب.
وحملت الفيضانات السابقة إنذارات مبكرة، غير أن تراكم التحذيرات لم يُترجم دائمًا إلى إصلاحات جذرية، فبقيت المدينة بين الترقب والتدارك المؤقت.
التخطيط الحضري تحت المجهر
آسفي، مثل مدن مغربية عديدة، عرفت توسعًا عمرانيًا متسارعًا لم يكن منسجمًا مع خصوصيات المجال. أحياء شُيّدت في مناطق منخفضة، وشبكات تصريف لم تُحدَّث بالوتيرة المطلوبة، وتدخلات جزئية ركزت غالبًا على معالجة الأعراض بدل الأسباب.
وفي لحظة الفيضان، تظهر قنوات عاجزة عن استيعاب كميات المياه المفاجئة، وأودية محاصرة بالإسمنت، وتنسيق محدود بين المتدخلين، فيتحول المطر من نعمة إلى عبء ثقيل، وتصبح المدينة هشّة أمام أول اختبار طبيعي.
الإنسان في قلب العاصفة
وكشف الفيضان الأخير حجم المأساة الإنسانية بأقسى صورها. تسع وعشرون روحًا فُقدت، وأسر وُضعت فجأة في مواجهة الفقد والصدمة.
أضرار مادية واسعة طالت نحو سبعين منزلًا ومحلاً تجاريًا في المدينة القديمة، وجرفت السيول حوالي عشر سيارات، وتضرر المقطع الطرقي الرابط بين آسفي ومركز جماعة احرارة، ما أدى إلى انقطاع حركة المرور.
شهادات السكان تعكس الرعب والعجز: “رأينا الماء يجتاح البيوت بسرعة مخيفة، ولم يكن أمامنا سوى إنقاذ الأرواح. كل شيء ضاع في دقائق، والصدمة ما زالت تسكن المكان”، يحكي أحدهم.
هذه التجربة تؤكد أن المعاناة الإنسانية لا تقل أهمية عن أي تشخيص تقني. فالفيضان يهدد الحجر ويقوض الإحساس بالطمأنينة والانتماء، ويجعل السؤال عن المسؤولية مشروعًا وملحًّا.
بين الذاكرة والمسؤولية
لقد وضع الفيضان الأخير المدينة أمام مرآة صريحة. ذاكرة الألم لم تعد قابلة للتأجيل، ومسؤولية التدبير صارت مطالبة بإجابات واضحة.
على آسفي تحويل الجرح المفتوح إلى نقطة تحوّل، حيث تتحول المساءلة إلى فعل، والوعود إلى برامج قابلة للتنفيذ، والتدبير الترابي إلى حماية فعلية للأرواح قبل الممتلكات.
الماء سيعود كما علّمتنا التجربة، ويبقى الرهان على مدينة تستعد له بعقلانية وعدالة ومسؤولية مشتركة.
علاء البكري



