تفتح مدينة شفشاون أبوابها من جديد لواحد من أقدم المواعيد الأدبية بالمغرب، حين تعود القصيدة إلى فضائها الطبيعي، محمولة على ذاكرة تراكمت عبر عقود، ومشدودة إلى أفق يواصل الإنصات للكلمة بوصفها فعلاً ثقافياً ووجدانياً.
ويطل المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث في دورته السادسة والثلاثين، مؤكداً استمراريته كموعد راسخ في المشهد الأدبي الوطني.
مهرجان بذاكرة ممتدة منذ ستينيات القرن الماضي
وتشرف جمعية أصدقاء المعتمد على تنظيم هذه الدورة بفضاء المكتبة البلدية «مناهل العرفان»، مستحضرة مساراً انطلق منذ سنة 1965، وأسهم في تشكيل تقاليد ثقافية جعلت من الشعر عنصراً فاعلاً في الحياة العامة.
دورة جديدة تنعقد بدعم مؤسساتي، وبشراكات محلية وجهوية، تعكس تقاطع الإرادة الثقافية مع النسيج المجتمعي للمدينة.
شعار يوحّد الكلمة بالوطن
ويحمل المهرجان هذه السنة شعار «الإقامة شعرياً في وطن موحد»، وهو اختيار يلامس عمق الرهان الثقافي، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء للانتماء، وإلى لغة تعبّر عن وحدة الوجدان المغربي بتعدده الثقافي وروافده المتنوعة.
ويستدعي هذا الشعار الشعر باعتباره ممارسة رمزية تعزز الوعي بالقضايا الوطنية، وتمنح الانتماء بعده الجمالي والإنساني.
لحظة وفاء لأسماء بصمت المشهد الثقافي
وتخصص هذه الدورة لحظة اعتراف وامتنان لعدد من الأسماء التي راكمت حضوراً لافتاً في الشعر والإعلام والفكر.
ويتعلق الأمر بكل من فاطمة برودي، وعبد الحميد جماهري، ولطيفة المسكيني، والزبير خياط، وجمال أماش.
إلى جانب مريم أطويف، الأستاذ عبد السلام بن تحاكيت، العضو الأسبق بمكتب الجمعية.
ويستحضر هذا التكريم المسار أكثر مما يكتفي بالمنجز، ويعيد الاعتبار لفعل الاستمرار الثقافي.
برنامج يزاوج بين الشعر والنقد والفن
ويقترح المهرجان برمجة متعددة المسارات، تشمل أمسيات شعرية تجمع أصواتاً من مختلف مناطق المغرب، وندوة نقدية أكاديمية، وعروضاً فنية، إضافة إلى معرض خاص بالديوان الشعري المغربي.
ويسعى هذا التنوّع إلى خلق حوار بين الأجناس التعبيرية، وإلى إتاحة مساحة للتفاعل بين المبدع والمتلقي.
الشعر في قلب المدرسة
ويمدّ المهرجان جسوره نحو الفضاء التربوي عبر تنظيم ورشات لفائدة تلميذات وتلاميذ من مؤسسات تعليمية بالمنطقة، تحت شعار «الإبداع الشعري في صلب الحياة المدرسية».
وتهدف هذه الورشات، التي يشرف عليها شعراء وأساتذة، إلى تقريب الأجيال الصاعدة من أسس الكتابة الشعرية، وتنمية الحس الجمالي، وتحفيز التعبير الإبداعي داخل المدرسة.
كما يحتضن البرنامج فقرة «ماستر كلاس» بعنوان «شاعر في مؤسستنا»، تفتح باب النقاش المباشر بين الشعراء والتلاميذ، وتمنح التجربة الشعرية بعدها التفاعلي، إلى جانب تزويد مكتبات المؤسسات التعليمية بدواوين شعرية حديثة دعماً للمواهب الناشئة.
الندوة النقدية… قراءة في المنجز وأسئلته
وتواكب الدورة ندوة نقدية أكاديمية، يديرها الإعلامي والشاعر الدكتور سعيد كوبريت، بمشاركة أسماء وازنة في النقد والأدب المغربي، من بينها نجيب العوفي، وعبد الغني عارف، ومحمد العناز، وإسماعيل علالي.
وتصادف الندوة الذكرى الثامنة والستين لتأسيس جمعية أصدقاء المعتمد، وتعيد طرح أسئلة الشعر المغربي في سياقاته الجمالية والفكرية.
الشعر بوصفه ذاكرة وهوية
ويرسخ المهرجان، عبر مساره الطويل، قناعة مفادها أن الشعر ممارسة ثقافية تعمّق الإحساس بالهوية، وتُسهم في بناء الوعي الجماعي، وتمنح الذاكرة الوطنية لغة قادرة على الاستمرار.
وبهذا المعنى، تواصل شفشاون احتضان القصيدة باعتبارها جزءاً من روح المدينة وملامحها الثقافية.
علاء البكري



