“النشرة الأثرية المغربية” تعود بعدد جديد يفتح نوافذ الذاكرة العميقة

- Advertisement -

تعود “النشرة الأثرية المغربية” في عددها الثامن والعشرين لتؤكد حضورها بوصفها منبرًا علميًا متخصصًا في علم الآثار وعلوم التراث، صادرًا عن المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التابع لوزارة الثقافة، ومتاحًا بلغات متعددة تشمل العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية.

ويقدّم هذا العدد مادة علمية كثيفة تجمع نتائج أبحاث أركيولوجية ودراسات تراثية تمتد عبر رقعة زمنية واسعة، تتداخل فيها طبقات التاريخ المغربي من عصور سحيقة إلى مراحل حضارية متأخرة.

من مغارات ما قبل التاريخ إلى مدن الإسلام الأولى

ويضم العدد دراسات تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، من بينها أبحاث حول مغارة تافوغالت، إحدى أهم المواقع الأركيولوجية بشمال إفريقيا، وصولًا إلى المرحلة الإسلامية من خلال مدينة سجلماسة بتافيلالت.

وتتوزع هذه الأبحاث على فترات زمنية متعاقبة، حيث تُقرأ التحولات الكبرى التي عرفها المجال المغربي ضمن فضائه الجغرافي الأوسع، وتُستعاد مسارات الاستقرار البشري وتشكّل البنى الاجتماعية الأولى.

تحولات تقنية وسلوكية في مغارة الحمام

وتتناول إحدى الدراسات مغارة الحمام، مركزة على مرحلة انتقالية ظلّت لفترة طويلة موضع نقاش في البحث الأثري بشمال إفريقيا، وهي المرحلة الممتدة بين العصر الحجري القديم الأوسط والعصر الحجري القديم الأعلى.

ويُعالج البحث المعطيات الأثرية المرتبطة بهذه الفترة، في سياق زمني يتقاطع فيه التغير التكنولوجي مع التحول السلوكي، ضمن أفق علمي يسعى إلى فهم ديناميات العبور بين حقب متجاورة زمنيا ومختلفة ثقافيا.

مغارة بيزمون واستعمالات البحر في حياة الإنسان القديم

وفي مغارة بيزمون، تتجه دراسة أخرى إلى تحليل الأصداف البحرية المكتشفة بالموقع، من خلال مقاربة تربط بين الموارد الطبيعية والتنظيم الاجتماعي للمجموعات البشرية القديمة.

ويتوقف البحث عند أنماط استغلال هذه الموارد، سواء لأغراض غذائية أو رمزية أو وظيفية، مع تتبع تحركات الإنسان القديم بين المجال القاري والساحلي خلال فترات عرفت تغيرات سلوكية وثقافية بارزة.

مواقع جديدة بشمال غرب المغرب

ويقدّم العدد نتائج أولية لمشروع بحثي واسع النطاق شارك فيه أكثر من عشرين باحثًا مغربيًا وأجنبيًا، أفضى إلى تحديد أكثر من خمسين موقعًا أثريًا غير معروف بشمال غرب المغرب.

وتشمل هذه المواقع فنًا صخريًا ومقابر ميغاليتية ومستوطَنات في الهواء الطلق، تعود إلى فترات تمتد بين الألفية السادسة والأولى قبل الميلاد، في مجال يتميز بتعدد أشكال الاستقرار وتنوع مظاهر التعبير المادي.

ليكسوس: فسيفساء رومانية ومدافن قديمة

ويحتل موقع ليكسوس الأثري مكانة بارزة في هذا العدد، من خلال دراسات تتناول فسيفساءه المرتبطة بالفترة الرومانية، مع قراءة مقارنة تضعها ضمن سياق فسيفساء “المغرب القديم”.

كما تعالج أبحاث أخرى المدافن القديمة المحيطة بالموقع، مستندة إلى معطيات منشورة سابقًا وأخرى مستخلصة من أرشيف علمي أتيح حديثًا، بما يسمح بإعادة تركيب المعطيات المرتبطة بطقوس الدفن وتطورها عبر قرون طويلة.

نقائش وليلي وحدود موريطانيا الطنجية

ويكشف العدد عن نقائش اكتُشفت خلال السنوات الأخيرة في محيط مدينة وليلي، قرب مكناس، مع دراسة للنقائش اللاتينية المرتبطة بموقعي توكولوسيدا وعين الشكور.

وتُقرأ هذه المعطيات ضمن سياقها الأثري المرتبط بمنظومة “الليمس” الروماني، التي شكّلت جزءًا من أنظمة الدفاع بموريطانيا الطنجية خلال الفترة الإمبراطورية.

جامع القصبة بمراكش وذاكرة الزخرفة الموحدية

وتتناول دراسة أخرى بقايا زخرفية عُثر عليها أثناء أشغال ترميم جامع القصبة بمدينة مراكش، حيث يرجّح انتماؤها إلى إحدى قبب المسجد الموحدي الأصلي.

ويعتمد البحث على تحليل الكتابات المنقوشة والعناصر الزخرفية النباتية، مع تتبع تاريخي لأشغال إعادة البناء التي شهدها الموقع خلال العصر السعدي.

سجلماسة وقلعة جرماط… قراءات جديدة للمجال الإسلامي الوسيط

ويعيد العدد النظر في معطيات سابقة حول باب المنصورية بموقع سجلماسة الأثري، مقترحًا تأويلات جديدة على ضوء مستجدات أركيولوجية حديثة.

كما تقود تحريات أثرية بجزء من منطقة وادي إيناون الأعلى، التابع لإقليمي تازة وتاونات، إلى الكشف عن موقع قلعة جرماط، إلى جانب مواقع أخرى تعود إلى الفترة الوسيطية، تتوزع بين قلاع ومدن وتجمعات قروية.

القصر الصغير ونقود العصر المرابطي

وتسعى دراسات أخرى إلى تأريخ بقايا موقع القصر الصغير على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، مع تتبع تطوره خلال العصر المريني حين شكّل مدينة وميناءً نشطًا.

كما يتناول بحث علمي قطعًا نقدية ذهبية تعود إلى العهد المرابطي، محللًا مكوناتها المعدنية وتقنيات صناعتها، بما يفتح آفاقًا جديدة في مجال صيانة التراث النقدي وتثمينه.

أبحاث تركيبية وذاكرة التراث الحي

ويختتم العدد بعروض تركيبية لحصيلة أبحاث وادي بهت بإقليم الخميسات، وموقع قصر بونو بجنوب المغرب، وتنقيبات تاهدرات، إلى جانب برنامج “وليلي… من أوربة إلى المرينيين”.

كما يضم دراسة تهتم بالكنوز البشرية الحية، من خلال نموذج صنعة السقف الطاطاوي، في سياق ربط البحث الأثري بالممارسات التراثية المستمرة.

علاء البكري