غادرت الفنانة المغربية صفية الزياني الحياة مساء السبت، عن عمر ناهز إحدى وتسعين سنة، داخل المركز الاستشفائي مولاي يوسف بالرباط، بعد رحلة طويلة مع المرض. برحيلها، تنطفئ واحدة من الشموع الأولى التي أنارت دروب التمثيل بالمغرب، وتغيب سيدة اختارت الفن في زمن كان فيه الاختيار مغامرة، والاستمرار امتحانًا يوميًا للصبر.
من الخشبة الأولى إلى ملامح الريادة
تنتمي صفية الزياني إلى جيل الرواد المؤسسين لفن التمثيل المغربي، وإلى أولى النساء اللواتي اقتحمن عالم المسرح والتقمص في خمسينيات القرن الماضي. بدأت مسارها عبر المباريات المسرحية التي كانت تنظمها وزارة الشبيبة والرياضة، حيث تشكل وعيها الفني في بيئة شحيحة الإمكانيات، غنية بالشغف والإيمان بالفعل الثقافي.
سنة 1960، التحقت بالمدرسة الوطنية للمسرح، وتلقت تكوينًا أكاديميًا على يد أساتذة مغاربة وأوروبيين، لتنتقل بعد ذلك إلى مرحلة الاحتراف بانضمامها إلى الفرقة الوطنية سنة 1962، ثم إلى الفرقة الوطنية للإذاعة سنة 1967، حيث شاركت في أعمال إذاعية وتلفزيونية تركت أثرها في ذاكرة جيل كامل.
حضور سينمائي عابر للحدود
في السينما، وجدت صفية الزياني امتدادًا آخر لتجربتها، فشاركت في أعمال للمخرج الجيلالي فرحاتي، كما ظهرت في إنتاجات دولية، من بينها الفيلم الفرنسي “La Nuit Sacrée”، إضافة إلى أعمال إيطالية وألمانية. هذا الحضور منحها مكانة خاصة بين الممثلات المغربيات اللواتي جمعن بين التكوين المسرحي المحلي والانفتاح على تجارب فنية عالمية، في زمن كانت فيه هذه الجسور نادرة.
سنوات الغياب ومرارة النسيان
في سنواتها الأخيرة، أثقل المرض جسدها وأجبرها على الغياب القسري عن الساحة الفنية. تراكمت المعاناة الصحية، وضاقت الظروف الاجتماعية والمادية، لتعيش بعيدًا عن الأضواء التي ساهمت في صنعها. صورة موجعة تعكس جانبًا خفيًا من حياة رواد الفن، حين يهدأ التصفيق ويُترك الجسد وحيدًا في مواجهة الوجع.
إرث باقٍ رغم الغياب
هكذا انسحبت صفية الزياني بهدوء، كما عاشت في سنواتها الأخيرة، تاركة خلفها أدوارًا تشبهها في صدقها وبساطتها. لم تكن سيرتها صاخبة، لكنها كانت عميقة، محفورة في تفاصيل البدايات الأولى للمسرح المغربي، وفي وجوه جمهور تعلّم التمثيل قبل أن يتعلّم اسمه.
ومع هذا الرحيل، لا يُغلق فصل فني بقدر ما يُترك مفتوحًا على سؤال قديم عن الذاكرة، والوفاء، ومصير من صنعوا الطريق ثم واصلوا السير خارجه بصمت.
علاء البكري


