شهد المغرب خلال عام 2025 سلسلة من المحطات الثقافية والإنسانية البارزة التي كرّست دوره كفاعل إبداعي وإشعاعي على الساحتين الإقليمية والدولية، مجسدةً حيوية المجتمع المغربي وتعدّد طاقاته الثقافية والفنية والاجتماعية.
الاحتفاء بالتراث الإفريقي في أروقة اليونسكو
في يناير 2025، شارك المغرب بفعالية في الاحتفال باليوم العالمي للثقافة الإفريقية وذوي الأصول الإفريقية، الذي نظمته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في باريس، مقدمًا برنامجًا ثقافيًا متنوعًا يعكس ثراء التقاليد والهوية المغربية في سياق أوسع من التراث القاري، ومؤكدًا على دور الثقافة في تعزيز التضامن الإنساني وفهم التنوع.
مهرجانات موسيقية وتراثية تحتفي بالهوية
واحتل المشهد الثقافي المغربي موقع الصدارة في 2025 من خلال العديد من المهرجانات التراثية والموسيقية التي جذبت جمهورًا محليًا ودوليًا.
من مهرجان موسيقى العالم في فاس الذي جمع في أزقته ألحانًا صوفية وأنغامًا عبرية وإفريقية في احتفاء بروح الموسيقى المقدسة، إلى مهرجان مولاي عبد الله أمغار في الجديدة الذي أعاد إلى الواجهة جمال الفروسية والتراث البدوي، مرورًا بمهرجان زهور وردة قلعة إمغونة الذي عبّرت ورود وبهاءً عن روح الطبيعة والهوية الزراعية.
كما استمر مهرجان موازين – إيقاعات العالم في تأكيد مكانته كمنصة كبرى تجذب نجوم الموسيقى وتجمع الأجيال على إيقاع فنون متنوعة في الرباط وسلا، محتفلًا بعشرين عامًا من الحضور الثقافي والاجتماعي العميق على الساحة المغربية.
الفن المعاصر يرفرف في متحف “ماكال”
شهدت مدينة مراكش افتتاح معرض فني يضم واحدة من أكبر مجموعات الفن المعاصر الإفريقي في متحف المغرب للفن الإفريقي المعاصر “ماكال”، حيث تم تقديم أكثر من مئة وخمسين عملًا لفنانين من مختلف أنحاء القارة، في عرض يسلط الضوء على سعة الإبداع وتعدديته، ودور المغرب كمنصة للتواصل بين الثقافات الفنية الأفريقية والعالمية.
حضور المغرب في الأسواق والمعارض الدولية
وتألّق حضور الثقافة المغربية خارج الحدود خلال مشاركتها في معرض وارسو الدولي للسياحة 2025، حيث قدّم الجناح المغربي عرضًا متكاملاً جمع بين المناظر الطبيعية الخلابة والتراث الثقافي الغني والمأكولات التقليدية، معززًا صورة المغرب كوجهة سياحية عالمية تتميز بتنوعها التاريخي وجمالها الطبيعي.
تقدير عالمي للتراث والثقافة المغربية
وتوجّ المغرب في منتصف عام 2025 بتقدير دولي مهم حين صنّفته مجلة “CEO World” الأمريكية ضمن أكثر الدول تأثيرًا ثقافيًا وتراثيًا في العالم، محققًا المركز الرابع عربيًا والمرتبة الرابعة عشرة عالميًا، ما يعكس عمق الجذور الثقافية والقدرة على التمثّل الإبداعي في سياقات عالمية متنوعة.
الشباب وفضاءات التغيير
وعلى الرغم من تألق المشهد الثقافي، عرف المغرب خلال العام أيضًا حراكًا اجتماعيًا مهمًا قاده الشباب أو ما بات يعرف بجيل زاد ، تجسّد في احتجاجات واسعة انطلقت من أواخر شتنبر الماضي احتجاجًا على أوضاع التعليم والخدمات العامة والتفاوت الاجتماعي، ما جعله من أهم الظواهر الإنسانية التي شكلت محور نقاشات مجتمعية وسياسية واسعة داخل البلاد.
الرياضة والاحتفال الجماهيري
ومع اقتراب نهاية العام، توجّه الأنظار إلى المغرب كدولة مضيفة لكأس أمم إفريقيا 2025، إحدى كبرى التظاهرات الرياضية القارية التي احتشدت لها الجماهير، بجانب افتتاح منشآت رياضية حديثة مثل ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط، مما عزّز حضور المملكة كفضاء احتفالي يجمع بين الرياضة والتراث الجماهيري.
المكاسب الثقافية المغربية على الصعيد الدول
وتميز عام 2025 بإنجاز ثقافي بارز للمغرب، تمثل في تسجيل القفطان المغربي ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي للإنسانية لدى اليونيسكو، خلال الدورة العشرين للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي التي انعقدت في نيودلهي بتاريخ 10 دجنبر 2025.
ويعكس هذا الاعتراف الدولي القيمة التاريخية والفنية للقفطان المغربي، باعتباره رمزًا للهوية المغربية الغنية والمتنوعة، ويُبرز مهارة الصانع المغربي وتفرد الحرف اليدوية المرتبطة بالزي التقليدي، مؤكّدًا حضور الثقافة المغربية وإشعاعها على المستوى العالمي.
سنة تجمع بين الذاكرة والإشعاع
لقد جمع عام 2025 في المغرب بين متعة الاحتفاء بالتراث وموسيقى العالم، والاعتراف الدولي بالقيمة الثقافية، إلى جانب واجهات الحوار الاجتماعي والتطلعات الإنسانية المتجددة.
وقد أسهم هذا المشهد المتفاعل في ترسيخ نهج ثقافي متنوع يعزز مكانة المملكة في خريطة الحوار الحضاري، ويؤشر على قدرة الثقافة والفن والإنسان على أن يكونوا روافع للتواصل والتفاهم داخل المجتمع وفي علاقاته مع العالم.
علاء البكري


