تهلّعت السماء فوق ربوع الشمال الغربي للمملكة، كأنها تمنّي المطر بعد سبع سنوات عجاف، فاستقبلت الأرض نزولها بثقل كبيرٍ لم تعرفه في الأعوام الأخيرة، فتسابق الماء في الوهاد، واحتفى بالسهول، ثم انقلب مع ذلك الفرح صرخةً وأسى.
فيضاناتٌ غادرت حدود الهشاشة، لتقيم في القلب أثرًا عميقًا لا يُمحى. مياهٌ جرت كما لو كانت تبحث عن ذاكرةٍ ضائعة في الأرض، فابتلعت طرقاتٍ وأحياء، وتركت خلفها وجعًا ممتدًّا لا يُحصى.
رحيل المنازل وإجلاء الأرواح
وأفادت المصادر أن الأيام الماضية شهدت إجلاء أكثر من مئة وأربعة وخمسين ألف نسمة من أربعة أقاليمٍ في الشمال الغربي، بعد أن غمرت مياه وادي اللوكوس والأودية المجاورة المدن والقرى التي احتضنت أجيالًا من البشر.
القصر الكبير، المدينة التي ربطت أهلها حياةً بأزقةٍ عتيقةٍ وأحلامٍ بسيطة، أصبحت اليوم مشهدًا للمياه وهي تأكل من الأرض وتروي حكايات أهلها عن خسارة المكان، وتذكّرهم بأن الطبيعة حين تهيّج لا تميز بين الكبير والصغير.
أرقامٌ تنطق بالحكاية
لم تكن فيضانات هذا الموسم مجرد أمطارٍ عابرة؛ لقد فاقت معدلات السقوط المطرية حدود المعتاد، وتجاوزت التوقعات ما نسبته 215٪ مقارنة بالعام الماضي، فاجتاحت الأنهار والأودية متدفقةً بلا تريث.
سدودٌ كانت تكابد من أجل ملئ خزاناتها بعد سنوات جفاف، امتلأت فجأةً لتصل مستويات احتياطاتها إلى أكثر من 61٪ من السعة الإجمالية، مقارنةً بـ 27٪ العام الماضي، وهو تحولٌ بقدر ما يبعث الأمل، بقدر ما يثير الخوف من تبعات الفيضانات على المناطق المجاورة للمياه المتدفقة.
خصامٌ بين الأمل والمآسي
امتدّ أثر الفيضانات إلى ما هو أبعد من نزوح العائلات، فارتبكت مسارات الحياة اليومية، وأُغلقت طرقٌ ودروب، وخَلَت مدارس من أصوات تلامذتها، وغرقت أراضٍ زراعية كانت تعيش على وعد الحصاد، في مشهدٍ يذكّر بأن الإنسان، مهما ارتفع شأنه، يقف أمام غضب الطبيعة ككائنٍ هشّ، يواجه قوةً تتجاوز حدود القياسًً، بينما يظل السؤال عن أيامٍ آمنةٍ قادمة يتردّد في كل زاويةٍ تلفظها الرياح أو تمسحها الشمس المتعبة.
صمتُ الدروب يحكي ما لا يقال
عندما تنحسر المياه عن الطرقات، يظل أثرها محفورًا في الذاكرة أكثر مما هو مرسومٌ على الأرض.
هناك حيث كانت الأقدام تترك بصماتها، تركت الفيضانات سؤالًا عميقًا عن الإنسان وأرضه، عن حكاية المطر حين يصبح قوةً تُغيّر الوجوه وتبدّل المسارات.
إنها فصولٌ من قصةٍ محزنة يخطّها المطر بدموع من السماء، وتقرؤها الأرض بوجعٍ لا ينسى، وتظل القلوب تنتظر فجرًا جديدًا يبعث الأمل بعد ليل طويل.
علاء البكري


