غادرت ليلى شهيد درب الحياة داخل مسكنها ببلاد باريس بعد عمر بلغ ستةً وسبعين عاماً، تاركةً صدى اسم يسكن ذاكرة الوجدان.
وُلدت الراحلة سنة ألف وتسع مئة وتسعة وأربعين لدى بيروت، وسط بيتٍ تنبض جدرانه بحكايات القدس. أم من سلالة عريقة غرست داخل روحها معنى الانتماء، وأب طبيبُ قلبٍ عُرف بين الناس بعلمه.
تلك البدايات صاغت ملامح شخصية حملت منذ صباها شعور الرسالة.
درب العلم ومعارج الفكر
نالت إجازة علم الإنسان لدى الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم انخرطت داخل نشاط اجتماعي بين لاجئين، حيث نما وعيها بقضية الأرض والهوية.
ارتحل فكرها نحو البحث والتأمل، حتى صار العلم لديها جسراً يصل المعرفة بالمسؤولية، ويمنح الكلمة وزن الضمير.
مسار دبلوماسي حمل صوت شعب
دخلت عالم التمثيل الدبلوماسي أواخر ثمانينات القرن الماضي، حين عُيّنت ممثلة لمنظمة التحرير لدى إيرلندا، ثم لدى هولندا، تلا ذلك عمل مماثل لدى الدنمارك.
منذ عام 1993 تولّت مهمة تمثيل شعبها لدى باريس، ثم انتقلت سنة 2006 إلى بروكسل ممثلةً لدى الاتحاد الأوروبي حتى 2015.
واتسم حضورها بين دوائر القرار ببلاغة الحجة ورصانة الخطاب، مما منح صوتها صدى واسعاً داخل الإعلام.
جسور الثقافة وصداقة المبدعين
حياتها الفكرية نسجت خيوط صلة مع رموز ثقافية بارزة. رافقت الكاتب جان جينيه إلى مخيم شاتيلا سنة 1982، زيارة تركت أثراً عميقاً داخل نصوصه.
جمعتها روابط فكرية مع إدوارد سعيد وإلياس خوري ومحمود درويش، حتى وصفها خوري بحارسة ذاكرة الشعراء.
حياة مشتركة مع الكلمة
وارتبط اسمها بالأديب المغربي محمد برادة، شريك روح درب ثقافي. رأت الثقافة روح السياسة، ورأت الكلمة طريقاً نحو الوعي، فصار حضورها أقرب إلى رسالة إنسانية منه إلى مهمة رسمية.
رحيل يترك صدى لا يخبو
عانت أعواماً مع داء قاسٍ، ثم آثرت الرحيل بصمت، حسب ما أعلنته عائلتها لصحيفة لوموند. غاب الجسد، وبقي أثر امرأة حملت وطنها داخل قلبها، ومضت تاركة إرثاً من شجاعة الكلمة ونبل الموقف، إرثاً يظل حيّاً داخل الذاكرة مثل ضوء لا يخفت.
علاء البكري


