استيقظت مدينة سطيف على صدمةٍ أخرى حين امتدت يد التخريب إلى تمثال عين الفوارة، فتهشّمت ذراع المرأة الرخامية صباح الثلاثاء، وعاد الجدل القديم يتردد في الأزقة كصدى حجرٍ سقط في بئر التاريخ.
حكاية تمثال تعاقبه العواصف
ويحمل التمثال سيرة طويلة من الاستهداف، سيرة تتقاطع فيها الأزمنة المتوترة مع ذاكرة مدينة لا تكف عن النظر إليه بدهشة وحذر.
وشهد سنة 1997 أول اعتداء بقنبلة تقليدية خلال سنوات العنف التي عرفتها الجزائر، ثم توالت محاولات التحطيم في أعوام لاحقة، كأن الرخام صار صفحة يكتب عليها الغضب كلما تبدلت المواسم.
من رمز احتفال إلى هدف غضب
وعرف التمثال زمناً كان فيه مقصدًا للاحتفال الشعبي، تزينه الأيادي بالحناء في الأعياد، فتغدو ملامحه كعروسٍ حجرية تتلقى بركات العابرين.
وتبدلت الصورة عبر السنين، فصار الجسد نفسه ساحة صراع رمزي بين رؤى متباينة للجمال والذاكرة والهوية.
رحلة الميلاد من باريس إلى الشرق
بدأت الحكاية في أروقة متحف اللوفر حين أنجز النحات فرانسيس دي سانت فيدال العمل وكشف عنه سنة 1898 تزامنًا مع الاحتفاء بمرور عقد على تشييد برج إيفل.
وغادر التمثال بعدها إلى مرسيليا ثم عبر البحر نحو سكيكدة، قبل أن يستقر أخيرًا في سطيف سنة 1899 وسط احتفاء رسمي وحراسة مشددة، كأن الرحلة كانت موكب عروسٍ رخامية تعبر القارات.
اسمٌ خرج من هدير الماء
واستمدت “عين الفوارة” تسميتها من نبعٍ تفجر بالماء الحار أسفلها يوم تدفق أول مرة، فتعالت صيحات الدهشة بين الناس وهم يرددون كلمة “فوارة”، فصارت اللفظة اسمًا خالدًا يلتصق بالتمثال كما يلتصق الصدى بجدار الوادي.
ذاكرة مدينة وتمثال
يحيا التمثال اليوم بين زمنين؛ زمن الفن الذي نحته، وزمن الأحداث التي لاحقته. يقف في الساحة شاهدًا على تحولات المجتمع، وعلى هشاشة الجمال حين تحاصره التأويلات.
ويبقى الرخام صامتًا، بينما تظل الحكاية ناطقة، حكاية تمثالٍ كلما أصابه جرحٌ عاد ليذكر المدينة بتاريخها، ويذكّر التاريخ بمدينةٍ لم تكف عن الجدل.
تحرير: علاء البكري



