العلاقات السامة تسرّع الشيخوخة

- Advertisement -

 

تكشف الأبحاث العلمية الحديثة أن الروابط الإنسانية تلامس القلب وتمتد آثارها إلى خلايا الجسد وذاكرة الدم.
وتتأثر حياة الإنسان بنوعية من يحيطون به، وحضور الشخصيات المرهِقة يبدّل إيقاع الجسد كما تبدّله العلل الخفية، حتى يغدو التوتر رفيقًا دائمًا يسرّع انطفاء الحيوية ويعجّل بملامح العمر

العلاقات المؤذية: كيمياء ضغط لا تهدأ

وتوضح الدراسات أن الاحتكاك المستمر بالشخصيات العدائية يضع الجسد في حالة استنفار دائم، فيرتفع منسوب الإجهاد المزمن وتتصاعد الالتهابات الصامتة داخل الأنسجة.
ويخلق هذا التفاعل الحيوي حالة بيولوجية تشبه ما تخلّفه الأمراض العضوية الطويلة الأمد، وكأن الكلمات الجارحة تتحول داخل الجسد إلى مواد كيميائية تعيد تشكيل توازنه الدقيق.

العمر البيولوجي تحت المجهر العلمي

واستخدم فريق بحثي من جامعة نيويورك تقنية “ساعات مثيلة الحمض النووي”، وهي أداة دقيقة تقيس العمر الحقيقي للخلايا بدل الاكتفاء بعمر السنوات المسجل في الوثائق.
وأظهرت نتائج الدراسة، المنشورة في دورية علمية مرموقة، أن وجود أشخاص مزعجين ضمن الدائرة القريبة يرفع العمر البيولوجي بما يقارب تسعة أشهر مقارنة بمن يعيشون في بيئة اجتماعية هادئة.
ويكشف هذا الفارق أن التوتر الاجتماعي عامل بيولوجي فعلي يشارك في تسريع تآكل أجهزة الدفاع الطبيعية في الجسم.

ضحايا الاستنزاف الخفي

وتشير البيانات التحليلية لشبكات العلاقات إلى أن النساء أكثر عرضة للوقوع تحت ضغط الشخصيات السامة، كما تظهر فئة الأشخاص الذين يعتمد عليهم الآخرون بكثافة ضمن الفئات الأكثر استنزافًا.
وتستنزف العلاقات المرهقة ما يقارب 1.5٪ من كفاءة الشباب البيولوجي، بينما يبدو أثر الأصدقاء أو الأقارب المؤذين أشد قسوة من أثر الشركاء، إذ تمنح العلاقة الزوجية أحيانًا شعورًا بالحماية يخفف وطأة الوحدة.

حين تتحول الكلمات إلى التهابات

وترسم نتائج البحث صورة دقيقة لمسار الأذى النفسي داخل الجسد. ويقترن ازدياد عدد الأشخاص المرهقين في حياة الفرد بارتفاع مؤشرات الالتهاب في الدم، وهو التهاب مزمن يمهّد لظهور أمراض مبكرة ويضعف القدرة على التعافي.
وتتداخل الضغوط النفسية مع العمليات الحيوية للخلايا، فيبدو الجسد أكبر سنًا وأقل مقاومة للأمراض، كأن البيئة الاجتماعية المسمومة تتحول إلى خطر صامت يهدد استقرار الحياة.

الصحة تبدأ من دوائرنا القريبة

وتدفع هذه المعطيات إلى إعادة تعريف مفهوم العناية بالصحة. نظام غذائي متوازن أو رياضة منتظمة لا يكفيان في ظل علاقات تنهك السلام الداخلي. الابتعاد عن مصادر التوتر المستمر يكتسب قيمة علاجية تضاهي الأدوية الوقائية، بينما يمنح اختيار صحبة داعمة الجسد فرصة للاحتفاظ بتوازنه ونضارته.
وهكذا يتضح أن الطريق إلى شيخوخة هادئة يبدأ بخطوة بسيطة: انتقاء من نسمح لهم بالاقتراب من مساحتنا الإنسانية.

تحرير: علاء البكري