خلف بريق آلات القهوة وصخب الملاعق في المقاهي المغربية، تختبئ حكايات صامتة لأقدامٍ أدمتها المسافات بين الطاولات. هي قصة النادلة التي تبيع ابتسامتها مجبرة لتشتري بـ”بقشيشها” كرامة يومها.
في كل صباح، تغادر الفتاة بيتها باكرًا، تحمل في حقيبتها رغبة صافية في كسب لقمة عفيفة، وابتسامة تختبئ خلفها خيوط التعب.
في المقاهي التي تصطف على جنبات شوارع المدن المغربية، حيث تختلط رائحة البن بعرق التهميش، تقف النادلات على أعتاب جفاف الطموح والواقع القاسي.
بين صدى طلبات الزبائن وصرير الأقداح، تتكرر قصة هؤلاء الفتيات اللواتي يقفن خلف الطاولات، يحملن على عواتقهن أعباءً تفوق ما يحتمله الجسد والروح.
في المغرب، تحول توظيف الفتيات كنادلات في المقاهي إلى مشهد متكرر في فضاءات العمل اليومية؛ حيث تجذب بعض المقاهي الزبائن بحضور الفتيات، فتتحوّل الوظيفة إلى واجهة تجمع بين الخدمة والتحديات الاجتماعية، وتكشف عن أوجه استغلال خفيّة في حياة النادلات اليومية.
فاتورة التعب: ساعات من الوجع مقابل دراهم معدودة
تمتد ساعات العمل بلا رحمة، يمتزج فيها عرق الجبين بصوت المناداة على الطلبات، وتغدو أقدامهنّ أشبه بأوتادٍ ثابتة على أرض المشقة. تستيقظ الفتاة باكرًا لتواجه يومها الطويل، وفي نهاية الوردية تعود إلى بيتها وقد أنهك المسير قدميها ونحل جسدها من الإرهاق.
وفي أروقة بعض المقاهي، تُعامل النادلات كسلع معروضة في سوق لا يقدّر الجهد والقيمة الحقيقية؛ يُقدّم الجسد والابتسامة قبل المهارة، ويحلّ احترام الذات في مرتبة ثانية.
في المقاهي الشعبية، يتركز الاهتمام أحيانًا على مظهر الفتاة لجذب الزبائن، دون تقدير ما تبذله من عمل حقيقي يستحق الحماية والحقوق.
خارج قائمة الطلبات: التحرش الذي لا يراه الزبائن
بين صمت المارة وارتباك النظرات، تختبئ قصص يومية لم تُسجّل في سجلات حماية العاملات. تتعرض النادلات لتحرشات لفظية وجسدية من زبائن وحتى من أرباب عملهن يسيئون فهم حضورهنّ، وأحيانًا تمتد هذه التجاوزات إلى دعوات غير لائقة ومضايقات غير مرحب بها.
في تقارير مختلفة حول حالة النادلات في بعض المقاهي المغربية، أكّد باحثون أن توظيف الفتيات لاستقطاب الزبائن يعرضهن لتحرشات متكررة، وتواجه بعضهن طردًا تعسفياً عند محاولة الدفاع عن كرامتهن.
شهادة من القنيطرة: “أعمل لأؤمن قوت يومي”
من مدينة القنيطرة، تقدّم لنا ليلى -وهي شابة في العشرينات- شهادتها بصوت مثقل بالتعب:
“أتيت إلى هذا العمل بحثًا عن لقمة أرفع بها رأس أسرتي.
أعمل لساعات طويلة بين الطاولات، أرفع الصحون وألبي الطلبات، وفي نهاية اليوم أعود إلى البيت وقد تورمت قدماي من الوقوف المستمر”.
وتضيف: “بعض الزبائن يوجّهون كلمات لا مكان لها، وإذا ما حافظت على هدوئي، يشعرون أنني لا أرضي طلبهم. أحتاج المال، لكني أحمل الكرامة معي دائمًا”.
تنبض كلمات ليلى بصدى صادق لمعاناة يومية تواجهها فتيات ونساء يعملن من أجل الرزق والحفاظ على كرامتهن في آن واحد.
الابتسامة تصبح إذنًا للتجاوز!
“سارة”، نادلة في إحدى المقاهي القنيطريّة، تصف يومها
بكلمات تقطر ألمًا وصدقاً:
“نعمل حتى الغروب, نرحب بالزبائن بابتسامة نابعة من واجبنا، ونجمع بقشيشًا يكفي لأيام قليلة. بعض الزبائن يسيئون فهم كوننا فتيات، ويتجاوزون حدود الكلام المهذب.
وتردف سارة قائلة: “تصبح الابتسامة ضوءاً أخضر لهم، فنجد أنفسنا نتساءل بصمت عن سبب وجودنا هنا! هل من أجل العمل الشريف، أم لمجرد استعراض الحضور؟”
تلك الكلمات صدى معاناة متكرّرة، تعكس هشاشة وضعية المرأة العاملة في مجتمع لا يزال البعض فيه يجهل حجم الجهد المبذول في هذه المهن.
بين المأمول والمأمول منه
مع كل فنجان تقدمه النادلة، هناك قصة تعب لم تُسجل بعد، ومع كل ابتسامة تُرتسم على الشفاه أمام الزبون، يترسخ ثقل في الصدر. يظل احترام العاملات مطلبًا أساسيًا، فهن كادحات يسعين وراء رزق حلال ويستحقن الحماية القانونية والاجتماعية.
إن حماية هؤلاء الفتيات تستوجب تفعيل النصوص القانونية وترسيخ وعي مجتمعي يبدأ من نظرة الاحترام التي تسبق دفع الحساب. فهل نكتفي بالارتشاف، أم ننظر بعين الإنصاف؟
علاء البكري


