حين يمدّ التاريخ مائدته للروح، تنبعث من أعماق العصور روائح قدر عتيق، وتنهض أصداء مطابخ كانت ذات يوم قلب الدار النابض، تدير نارها أيادٍ خبيرة، وتسكب سحرها داخل صحون من طين مزيّن. هكذا يبدو المطبخ المغربي تراثا حيّا، سجل نكهة وذاكرة، يروي سيرة أرض عبر طعم، ويصون حكاية شعب داخل مذاق.
أثر موحدي عتيق: كتاب الطبيخ
داخل زمن الدولة الموحدية بزغ كتاب عتيق يعدّ أقدم أثر مكتوب وصل إلينا عن طهي المغرب والأندلس.
ذلك الأثر جمع أزيد من أربع مئة طريقة إعداد، تتدرج من أطباق لحم ودجاج إلى حلويات معسلة وأشربة عطرية. سطوره تبدو كأنها سوق عطارين، تزدحم بنباتات عطرية، وبهارات دافئة، وألوان زاهية. ويلمس قارئه عالما كاملا، عالما كانت المائدة داخله مرآة حضارة، وعنوان ذوق سام.
مخطوط طبي غذائي مجهول: أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة
كتاب آخر من ذات الحقبة سار على الدرب ذاته، مزج بين طهي وطب، ورأى الغذاء دواء، ورأى الدواء غذاء.
ذلك المزج يكشف نظرة إنسان العصور الوسطى إلى المائدة بوصفها موضع عناية بالجسد والروح معا، حيث لم تكن اللقمة مجرد سد جوع، إنما كانت نظام عيش، وتدبير صحة، وميزان اعتدال.
تراث أندلسي مغربي: فضالة الخوان لابن رزين التجيبي
مع مرور أعوام وقيام دول تالية، ظهر هذا المصنّف الذي حفظ جانبا كبيرا من تقاليد الطهي المغربي الأندلسي.
بدت نصوصه كأنها رحالة عاد من أسواق المدن العتيقة محمّلا بروائح الشواء، وبخار القدور، وحلوى العسل والتمر.
عبر كلماته يدرك القارئ مقدار العناية التي أولاها أهل ذلك الزمن لهيئة الطعام، وترتيب المائدة، وآداب الجلوس حولها.
قراءة معاصرة للتراث: اليد والمعجن لمحمد أوبحلي
دراسات حديثة مدّت جسور وصل مع ذلك التراث، ومن بينها هذا العمل الذي درس عادات إعداد العجين والحبوب داخل مغرب العصور الوسطى.
وأعاد ذلك الجهد قراءة المطبخ على أنه وثيقة اجتماعية، تجلي نظام عيش الناس، وطرائق كسبهم، وصلتهم بالأرض والمناخ.
عقد الدهور
هكذا تتعانق كتب الطهي عبر قرون طويلة، كأنها عقد لؤلؤ تناثر زمنا ثم عاد انتظامه.
كل كتاب حبة ضوء، وكل طريقة أثر خطى، وكل رائحة صدى حياة. ويبدو المطبخ المغربي داخل هذه المدونات قصيدة نار وعطر، قصيدة كتبتها يد التاريخ، ورددتها ألسنة الأجيال، وبقي طعمها شاهدا على أن الحضارة قد تقرأ أحيانا من قدر يغلي، ومن رغيف يخرج ساخنا من قعر رماد.
علاء البكري



