ترسم النكهة في المطبخ المغربي لوحة زاهية تنسجها يد التاريخ بخيوط عطر وتوابل. تمتزج على المائدة روائح التراب والمطر والبحر، وتتآلف ألوان الخضر واللحوم والحبوب، فتغدو الأرض راوية حكايتها عبر قدر يغلي، وتتحول الطبيعة إلى نشيد حي داخل طبق.
جذور الحضارات في القدر
وتمتد جذور هذا الغنى عبر قرون من تلاقي الحضارات التي عبرت البلاد، وحملت معها عادات طهي وطرائق إعداد ولمسات ذوق.
لقد حمل عرب المغرب سر التتبيل على موائدهم، وحافظ أمازيغه على فن الحبوب، وأهدت الأندلس رهافة التوازن، وأجادت مناطق صحرائه بحرارة التوابل، حتى صارت الأطباق سجلا حيًا يروي تاريخ هذه الأرض الشريفة وسيرة أهلها.
أطباق تحمل الذاكرة
ويتجلى رسوخ التراث داخل أطباق صارت أعلاما على المائدة. يتصدر الكسكس المشهد مزهوا بألوان خضره وطيب مرقه، ويتهادى الطاجين ببطء فوق نار هادئة ناشرا عبق زيت وزعتر وليمون، ويأتي الشاي بالنعناع خاتمة الطقس، يسكب صفاء داخل النفوس.
جغرافيا الطعم المغربي
ويعكس تنوع الجهات ثراء المائدة ويجلو ملامح البلاد. يجود الشمال بخيرات البحر، ويمنح الغرب بركات الحقول، ويهدي الجنوب تمرا وتوابلا دافئة. تبوح كل جهة بسر مناخها، وتكشف ذوق أهلها، حتى يصير الوطن كتاب نكهة مفتوح الصفحات.
طقوس المائدة الدافئة
وتنبض الطقوس حول الطعام بحياة اجتماعية دافئة. يزين الصحن بزخارف، ويتمدد الخبز دائريا شبيها بقرص شمس، وتلتقي الأيادي بود، وتتلألأ العيون سرورا. يتحول الأكل إلى مجلس ألفة، ويغدو الطعام لغة مودة ناطقة بالصفاء.
نشيد النكهة الخالد
يختم الطعم نشيده داخل ذاكرة المتذوق، ويترك أثره مثل صدى بعيد. يروي كل طبق سيرة أرض، وتحمل كل رائحة رسالة دار، فيدرك الذائق أن النكهة ذاكرة، وأن المائدة سجل حياة، وأن المطبخ المغربي قصيدة عطر لا ينطفئ عبيرها.
علاء البكري


