يقول الصانع التقليدي أحمد ميري إن المهنة التي ورثها عن أبيه هي سيرة روحٍ تتوارثها الأصابع كماتتوارث الذاكرة حكاياتها، وتتجاوز في جوهرها مجردكونها عملاً يقتات منه.
يرفع رأسه عن قطعة قماش مطرزة بخيوط الصبر، ويبتسم كمن يرى في كل غرزة صفحةً من تاريخ مدينة وجدة.
هكذا تبدأ الحكاية من دكان صغير تفوح منه رائحة الخيوط والحرير، حيث يتحول الاستعداد لرمضان إلى طقس احتفالي خفي تصنعه الأيدي قبل أن تراه العيون.
السوق حين يستيقظ على الألوان
في محيط “جامع حدادة”، تستيقظ الأزقة على وقع خطوات الزبائن، ويأخذ المكان هيئة معرض حيّ للألوان والأنسجة.
تتدلى الجلابيب مثل مشاعل قماشية، وتتجاور “البلوزات الوجدية” والشَّدّات والعمائم في مشهد يختصر ذاكرة اللباس المغربي الأصيل.
يمر الناس بين الدكاكين كما لو أنهم يعبرون ممراً زمنياً يصل الحاضر بأناقة الماضي.
موسم “الحلم” للصنّاع
ويصف ميري حال السوق بأن رمضان يبدل إيقاعه كما تبدل الريح وجه البحر؛ إذ يزداد الطلب على الجلابيب المزينة بـ”الراندة” والتطريز اليدوي، وتتحول الورشات إلى خلايا يقظة لا تعرف السكون. هي أيام يصفها بأنها “موسم الحلم” للصناع، حيث تنعش الحركة التجارية أرزاقهم وتعيد الاعتبار لحرفٍ صمدت طويلاً أمام تبدل الأزمنة.
ذاكرة التراث على لسان الحِرَفيات
وتتابع الحكاية على لسان صانعة تقليدية تدعى “كريمة”، ترى في ازدحام السوق علامة وفاء الناس لتراثهم، وتؤكد أن الإقبال لا تحركه الرغبة في الزينة وحده، بل شعور دفين بالانتماء؛ فكل قطعة تُشترى تحمل معها معنى، وكل زيٍّ يخرج من يد صانعه يواصل رحلة بدأت منذ قرون.
خيوط تُنسج ببطء الحياة
وتضيف الخياطة “فاطمة” أن الاستعداد يبدأ قبل رمضان بأسابيع طويلة، وتشرح مراحل إنجاز “البلوزة الوجدية” كما يشرح موسيقي أسرار مقطوعته: تقص القماش، ترسم الزخرفة، تثبت الخيوط، ثم تراقب العمل وهو يكتمل ببطء حتى يصير ثوباً نابضاً بالحياة.
وتلاحظ فاطمة أن الشابات صرن يقبلن على الزي التقليدي بشغف، خاصة بعدما اكتسبت التصاميم روحاً عصرية دون أن تفقد ملامحها الأصيلة.
مشهد الأجيال المتعانقة
وتتسع الصورة أكثر داخل السوق، حيث تتجاور الأجيال حول قطعة قماش واحدة: أمّ تختار لابنتها زي ليلة السابع والعشرين، وجدّة تلمس القماش كما لو أنها تستعيد صباها، وطفلة تضحك وهي تتخيل نفسها بثوب الاحتفال.
تتشابك اللحظات الصغيرة لتصنع مشهداً كبيراً عنوانه “استمرار الذاكرة”.
الخيط الذي لا ينقطع
وتنتهي القصة عند باب الدكان، حيث يعود ميري إلى عمله، يغرز الإبرة في القماش بثقة من يعرف أن ما يصنعه يتجاوز حدود الثوب.
ويواصل الحياكة بصمت، بينما تمضي المدينة نحو رمضان مزدانةً بخيوط صنعتها يداه وقلوب رفاقه من حراس التراث.
(ريبورتاج ومع) – تحرير علاء البكري (فرح)



