في سجلات مهن النقل بالمغرب، ظلّ المِقود طويلاً حكراً على الرجال، تحرسه العادة وتُثبّته نظرة اجتماعية متوارثة. ومع تحوّلات المجتمع المتسارعة، بدأت هذه الصورة تتبدّل بهدوء؛ حيث برزت نساء اخترن القيادة مهنةً وشغفاً، وخضن تجربة يومية داخل فضاء ظلّ لسنوات مغلقاً في وجههن.
بدايات متدرّجة: عبور نحو الاستقلالية
ارتبطت أولى ملامح السياقة النسائية في المغرب بتوسّع تعليم الفتيات واقتحامهن سوق الشغل خلال العقود الأخيرة.
ومع بداية الألفية، كانت نسبة النساء الحاصلات على رخص السياقة محدودة، إذ لم تتجاوز 13 في المئة وفق المعطيات المتداولة آنذاك؛ وهو ما عكس طبيعة التمثلات الاجتماعية في تلك المرحلة.
ومع مرور السنوات، بدأت هذه النسبة ترتفع تدريجياً؛ إذ إن الحاجة إلى الاستقلالية في التنقل، ومتطلبات العمل، وتغيّر أنماط العيش داخل المدن، دفعت أعداداً متزايدة من النساء إلى تعلّم القيادة وامتلاك السيارات، لينتقل بعضهن لاحقاً إلى ممارسة السياقة كمهنة قائمة الذات.
خريطة الحضور: تباين المسارات المهنية
وتُظهر مهن النقل في المغرب تفاوتاً واضحاً في حضور النساء بين مختلف القطاعات. ففي قطاع سيارات الأجرة، لا يزال عدد السائقات محدوداً؛ نظراً لطبيعة العمل الفردي، والاحتكاك المباشر مع الشارع، وظروف الاشتغال الطويلة.
ورغم هذه التحديات، تمكنت رائدات من الاستمرار في المهنة وبناء سمعة طيبة قائمة على الجدية والانضباط.
في المقابل، تشهد قطاعات النقل المنظم حضوراً نسوياً أكثر وضوحاً؛ فقد فتحت شركات الحافلات وشبكات “الترامواي” المجال لتوظيف النساء ضمن أطر مهنية مضبوطة، مما وفر لهن ظروف عمل أكثر استقراراً وأماناً.
وداخل هذه البيئات، تبرز المرأة السائقة كجزء حيوي من منظومة كفاءة تعتمد على التكوين المستمر.
أما قطاع السكك الحديدية، فيقدّم نموذجاً متقدماً في إدماج النساء، من خلال إسناد مهام تقنية معقدة لهن، بما في ذلك قيادة القطارات.
شروط العمل: تحديات بيئية واجتماعية
تواجه المرأة السائقة في المغرب صعوبات ترتبط ببيئة العمل والبنية الاجتماعية؛ إذ يظل الإحساس بعدم الأمان في بعض الفضاءات العامة عنصراً حاضراً في تجربة العمل، خاصة خلال الفترات الليلية.
كما أن ضعف التغطية الاجتماعية في بعض المهن غير المهيكلة يزيد من هشاشة وضعها المهني.
وتؤكد الدراسات الميدانية أن تحسين جودة منظومة النقل وظروفها ينعكس مباشرة على مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية وفرص التعليم.
أفق يتسع وحضور يترسخ
مع تزايد أعداد السائقات، بدأ حضورهن يكتسب طابعاً اعتيادياً، خاصة داخل الحواضر الكبرى. هذا التحول لا يرتبط فقط بتغيّر أدوار النساء، بل باتساع مجالات اشتغالهن أيضاً.
كما ساهم الطلب المتزايد على خدمات نقل تراعي شروط الخصوصية والأمان في تعزيز تقبّل المرأة السائقة، خاصة لدى الفئات التي تفضّل التعامل مع سائقات.
إن السياقة النسائية في المغرب تمثل مساراً ناضجاً يتعزز بمرور الوقت. ورغم أن الأرقام ما تزال دون مستوى الطموح في بعض القطاعات، إلا أن المؤشرات تعكس اتجاهاً واضحاً نحو توسيع مشاركة النساء، وتقديم صورة لمجتمع يعيد ترتيب أولوياته المهنية ويفتح أبواباً جديدة أمام الكفاءات النسائية في قلب الحركة اليومية.
علاء البكري


