تتجدد في الذاكرة الوطنية محطاتٌ صنعت المسار التاريخي للمغرب نحو الحرية والوحدة؛ حيث يخلد المغاربة اليوم الخميس، الذكرى التاسعة والسبعين لرحلة جلالة المغفور له محمد الخامس إلى طنجة سنة 1947، والذكرى السبعين لرحلته إلى تطوان سنة 1956.
وتشكل هاتان الرحلتان لحظتين متباعدتين في الزمن، متصلتين في الدلالة، ترسمان معًا ملامح وطنٍ صاغ تاريخه بإرادة سيادية واضحة.
طنجة: صوت المغرب في الفضاء الدولي
وجاءت رحلة طنجة في سياق دولي بدأ يتجه نحو أفول زمن الهيمنة الاستعمارية، فحملت معها تحوّلاً نوعياً في مسار القضية الوطنية.
وتجاوز الخطاب الملكي آنذاك نطاق الداخل، لينفتح على المحافل الدولية معلناً حق المغرب الشرعي في الاستقلال والسيادة الكاملة.
وقد واجه الإصرار الذي رافق هذه الرحلة محاولات تعطيل استعمارية متعددة، خاصة في وقت كانت فيه الدار البيضاء تعيش على وقع أحداث دامية أليمة.
ومنح حضور جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، إلى جانب الأسر المنكوبة تلك المرحلة بُعداً إنسانياً عميقاً، كما رسّخ الصلة الوثيقة بين العرش والشعب.
مسار الرحلة: ملحمة التلاحم الشعبي
وانطلقت الرحلة من الرباط وعبرت محطات تاريخية احتشدت فيها الجماهير، وصولاً إلى طنجة التي استقبلت الموكب الملكي في مشهد جسّد وحدة الصف الوطني.
وأعطى هذا الامتداد الشعبي للرحلة معناها الحقيقي، وجعلها تعبيراً حياً عن التحام العرش بالشعب في سبيل الحرية.
وفي قلب طنجة، حمل الخطاب الملكي رؤية دقيقة لمغرب موحد، وقدم تصوراً سياسياً واضحاً أمام ممثلي الدول الأجنبية، واضعاً بذلك أسس مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد الحديث.
أبعاد روحية ورمزية ممتدة
واكتسبت الرحلة عمقاً إضافياً من خلال بعدها الروحي؛ إذ أمّ الملك المصلين في المسجد الأعظم في لحظة جمعت بين الوازع الديني والواجب الوطني.
كما برز حضور ولي العهد آنذاك، جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، إلى جانب الأميرة الراحلة للا عائشة، في أنشطة متنوعة عكست انخراط الأسرة الملكية التام في قضايا المجتمع والنهوض بالمرأة والشباب.
تطوان: إعلان اكتمال السيادة
بعد تسع سنوات من رحلة طنجة، حملت رحلة تطوان معنى الاكتمال والظفر؛ حيث أُعلن منها رسمياً استقلال الأقاليم الشمالية وتوحيد التراب الوطني.
وجاءت هذه الخطوة التاريخية عقب مفاوضات سياسية أفضت إلى تثبيت سيادة المغرب على كامل أراضيه، لتعيد رسم خريطة الوطن موحداً من شماله إلى جنوبه.
ذاكرة تُضيء آفاق الحاضر
إن استحضار هذه المحطات المجيدة يعيد وصل الحاضر بجذوره العريقة، ويبرز القيم السامية التي رافقت مسار التحرر من وحدة وتلاحم وإيمان عميق بالمستقبل.
وتواصل هذه القيم امتدادها اليوم في مسار التنمية الشاملة الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، في أفق ترسيخ مغرب حديث يستند إلى ذاكرته الصلبة ويواصل بناء مستقبله بثبات واعتزاز.
علاء البكري


