يأتي رمضان برداء النور، يحمل دعوة صفاء روحي وسمو داخلي، غير أن مشاهد اللهاث نحو الأسواق تلوح مع بداياته، عربات ممتلئة، عيون تلاحق ألوان المآكل، قلوب تنشغل بزينة الموائد بدل زينة السرائر، مع أن غاية الصوم تهذيب الروح لا إثقال المعدة.
وتشير دراسات طبية إلى أن الصوم يمنح الجسد توازنا صحيا حين يقترن باعتدال غذائي وهدوء نفسي، فكيف يتحول موسم السكينة إلى موسم ازدحام وشراهة؟
غضب الصائم حين تشتعل الأعصاب
وتتكرر الصورة ذاتها عند لحظات التسوق، أصوات ترتفع، جدال يحتدم، توتر ينساب بين الناس كريح حارة، مع أن الشهر زمن حلم ولين.
ويؤكد مختصون أن نقص النيكوتين لدى المدخنين يولد تهيجا وقلقا وسرعة غضب خلال ساعات الانقطاع، كما أن الامتناع عن منبهات معتادة مثل الكافيين يزيد الصداع وحدة المزاج، فهل يليق بزمن الرحمة أن يشهد خصاما سببه عادة مؤذية؟
موائد مترفة… وقلوب جائعة
وعند اقتراب الغروب، تتكدس الموائد بأصناف عديدة، كأن البيوت تستعد لوليمة ملك، بينما روح الشهر تدعو إلى قناعة وسكينة.
وقد نبهت تقارير صحية إلى أن الاعتدال خلال رمضان يدعم صحة القلب ويضبط مستويات الطاقة، فأين يضيع جوهر العبادة حين يصير الهم الأكبر عدد الأطباق لا عدد الركعات؟
ما قبل الأذان حين يضيق الصبر
وتطل لحظات ما قبل الغروب بوجوه متعبة، شفاه يابسة، أعصاب مشدودة، مشادات كلامية تندلع لأسباب ضئيلة، مع أن الصوم مدرسة صبر.
ويذكر خبراء الإدمان أن أعراض انسحاب النيكوتين تشمل التوتر وسرعة الانفعال، أليس الأجدر أن يكون الامتناع باب تهذيب لا باب نزاع؟
بين نداء السماء وهمس الشهوة
هكذا يمضي الشهر بين صورتين؛ صورة روح تتطلع إلى العلو، وصورة سلوك يهبط نحو العادة، وبينهما يقف الإنسان حائرا أمام مرآة ذاته، يرى نور العبادة يدعوه، ويرى ظل الشهوة يشده، فأي الطريقين يختار قلب يرجو القرب؟
علاء البكري


