بين القبول والرفض: معركة المِقود النسائي في مواقف الطاكسي

- Advertisement -

 

في أحد مواقف سيارات الأجرة المكتظة بالقنيطرة، يتجاور سائقان يتقاسمان أعباء المهنة ذاتها، بينما تفصل بينهما نظرتان متباينتان حيال سؤال جوهري: هل للمرأة مكان خلف مِقود “الطاكسي”؟

في هذا الفضاء اليومي، يتخذ النقاش طابعاً حياً تتقاطع فيه التجربة الميدانية بالقناعة الشخصية، ليعكس صورة مجتمع يعيد ترتيب مواقفه وقيمه على مهل.

صوت الرفض: قناعة صاغها الشارع

يتحدث عبد القادر، وهو سائق خبر المهنة لأزيد من خمسة وثلاثين عاماً، بنبرة حاسمة تشي بصلابة موقفه؛ إذ يرى أن اقتحام المرأة لهذا المجال خيار غير موفق، مستنداً في ذلك إلى ما يصفه بـ”قسوة العمل” وضغوطه اليومية.

وفي تقديره، فإن الشارع يفرض شروطاً قاسية تتطلب قدرة فائقة على التحمل، وهي سمات يراها أقرب إلى طبيعة الرجل وتكوينه.

لا ينكر عبد القادر وجود نساء يمارسن المهنة بالفعل، بل ويقر بنجاح بعضهن، غير أن هذه الحالات تظل في نظره “استثناءات” لا تكفي لتغيير صورة ذهنية تشكلت عبر عقود من الممارسة الذكورية الصرفة.

بالنسبة إليه، تعتمد المهنة على مواجهة تفاصيل معقدة؛ بدءاً من صخب الزبائن وصولاً إلى إكراهات ساعات العمل الممتدة التي لا ترحم.

وحين يُطرح عليه الرأي القائل بأن وجود سائقات يمنح شعوراً بالأمان لبعض الزبونات، يتوقف قليلاً قبل أن يؤكد أن معيار العمل يجب أن يظل مرتبطاً بـ”الكفاءة” لا “العاطفة”؛ إذ يخشى أن يؤدي إقحام عامل الإحساس في التقييم المهني إلى اختلال توازن القطاع وتغيير معاييره الصارمة.

صوت القبول: الكفاءة لا النوع

على مقربة منه، يقدم أمين، وهو سائق في أربعينياته، رؤية مغايرة تماماً؛ فهو يتعامل مع ولوج النساء لهذا القطاع بوصفه امتداداً طبيعياً للتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.

وفي نظره، فإن المهنة لا ترتبط بنوع اجتماعي بقدر ارتباطها بالالتزام والمهنية.

يرى أمين أن صعوبة العمل “عابرة للأجناس” وتؤثر في الجميع، وأن القدرة على التكيف مع تقلبات الطريق تبقى هي العامل الحاسم. ويرى في تجارب النساء الحالية دليلاً ساطعاً على أن الإمكان قائم، وأن الممارسة الميدانية كفيلة بتبديد الأحكام المسبقة وتفكيك الصور النمطية.

ويشير أمين بنبرة تفاؤلية إلى تفاعل الزبائن الإيجابي مع السائقات، مؤكداً أن حاجة بعض النساء للامتنان والخصوصية تمنح المهنة بعداً إنسانياً إضافياً يعكس حاجة اجتماعية متنامية.

كما يعتقد أن حضور المرأة يساهم في “تهذيب” صورة القطاع، ويضفي عليه قدراً أكبر من الانضباط والاحترام.

مسافة التحول: بين جيلين ورؤيتين

بين هذين الصوتين، تتضح ملامح نقاش أوسع يتجاوز حدود “موقف السيارات”؛ فعبد القادر يمثل امتداداً لنظرة تقليدية تشكلت في سياق اجتماعي محافظ، بينما يعكس أمين تياراً يتقدم بثقة نحو إعادة تعريف الأدوار المهنية.

وتختزل المسافة بين الرأيين مساراً كاملاً من التحول السوسيولوجي الذي يتغذى من المتغيرات الاقتصادية والواقع المعيش.

السياقة النسائية: حضور يتقدم وتحديات قائمة

تجد السياقة النسائية في المغرب نفسها اليوم في قلب هذا التحول الحاسم. ورغم أن حضورها لا يزال متفاوتاً بين القطاعات، ويواجه تحديات ترتبط ببيئة العمل والبنية الاجتماعية، إلا أن الجدل حولها انتقل من “مرحلة الرفض” إلى “مربع الأحقية والكفاءة”.

طريق يتسع للجميع

في هذا الموقف الصغير، حيث لا ينقطع ضجيج المحركات ولا سكون الانتظار، يبدو أن الجدل لن يُحسم قريباً.

غير أن المؤكد هو أن الطريق يتسع تدريجياً للجميع، ومع كل رحلة جديدة، تترسخ فكرة أن المِقود لم يعد حكراً على أحد، بل هو لمن يتقن فن القيادة والصبْر على وعورة الطريق.

علاء البكري