مليكة العاصمي: أفق شعري ومنزع فكري متفرد

- Advertisement -

 

تتقدّم الكتابة في تجربة مليكة العاصمي بوصفها مساحة للتفكير تتجاوز حدود التعبير الجمالي الصرف؛ إذ تنفتح القصيدة لديها على أسئلة المجتمع والإنسان، وتتحرك داخل منطقة يتجاور فيها التأمل مع النقد، وتتقاطع فيها الذات مع محيطها الاجتماعي.

ويحضر الواقع في نصوصها مادةً حيوية للقراءة وإعادة التشكيل، بينما تتشكل اللغة على إيقاع هادئ يقترب من الوضوح، مع الاحتفاظ بطاقة شعرية كامنة في بنية الصورة والتركيب.

تشكّل معرفي في الفضاء الجامعي

تبلورت تجربة مليكة العاصمي داخل مسار أكاديمي رصين ارتبط بدراسة اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

وانعكس هذا التكوين المعرفي على بنية الكتابة لديها، فظهرت الفكرة داخل النص بشكل متماسك، واتخذت الجملة مساراً واضحاً في بناء المعنى، مع حضور لافت للحس الشعري في اختيار المفردات وتوزيع الإيقاع.

وقد زاوجت في مسارها بين التدريس الجامعي وبين الانشغال الدائم بالكتابة، مما أثمر تجربة تراكم المعرفة النظرية وتتفاعل بعمق مع قضايا اللغة والفكر والهوية.

الشعر بوصفه اختباراً للمعنى

وتتجلى ملامح مشروعها الشعري في أعمال فارقة مثل “كتابات خارج أسوار العالم” و”أصوات حنجرة ميتة” و”شيء له أسماء”.

وتنفتح هذه النصوص على أسئلة الذات والحرية، وتستدعي قضايا اجتماعية وثقافية تنبع من الواقع وتعود إليه عبر وسيط اللغة.

وتسير الكتابة في هذه الدواوين نحو بناء دلالي يعتمد وضوح الفكرة وتكثيف الصورة، ويدعمها إيقاع داخلي يمنح النص تماسكاً جمالياً متميزاً.

محوريةُ المرأة في المنجز الشعري

وتحتل المرأة موقعاً مركزياً في هذا المنجز الإبداعي، ويظهر حضورها داخل النص جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي العام.

ويعكس هذا الحضور أسئلة جوهرية تتصل بالمكانة والكرامة والمشاركة الفاعلة في الفضاء العمومي.

ويتشكل هذا التمثيل عبر صور شعرية تنفتح على تفاصيل الواقع اليومي، وتستدعي تجربة المرأة المغربية داخل سياقها الاجتماعي والثقافي برؤية نقدية وشاعرية في آن واحد.

امتداد ثقافي يتجاوز النص

وامتد حضور مليكة العاصمي ليشمل الفعل الثقافي العام من خلال المساهمة في منابر فكرية ومجلات أدبية رائدة، والمشاركة الوازنة في نقاشات مرتبطة بالتعليم واللغة وقضايا الهوية.

وتتجلى في هذا الامتداد صورة المثقف الذي يربط فعل الكتابة بالممارسة الثقافية الميدانية، ويجعل من النص الشعري جزءاً من حوار أوسع مع المجتمع وأسئلته الكبرى.

أثر راسخ في الذاكرة الشعرية المغربية

وتسهم تجربة مليكة العاصمي بقوة في ترسيخ ملامح أساسية من مسار الشعر المغربي الحديث.

وتتداخل في هذا المسار التجربة الفردية الذاتية مع القضايا الإنسانية العامة، مما يمنح القصيدة نبرة فكرية وتأملية يمتد أثرها في وجدان القارئ طويلاً بعد الفراغ من القراءة.

علاء البكري