في زمنٍ كانت فيه الكتابة النسائية بالمغرب تتلمسُ خُطاها الأولى، برز اسم آمنة اللوه ضمن الجيل الذي وضع اللبنات الأساسية لهذا المسار؛ حيث قدمت تجربةً فريدةً تتقاطع فيها المعرفة الأكاديمية الرصينة مع الحس السردي المرهف، في فضاءٍ يمزج ببراعة بين عبق التاريخ وسحر الأدب.
تكوينٌ أكاديمي بين ضفتين
وُلدت آمنة اللوه سنة 1926 بالحسيمة، ونشأت في تطوان حيث تلقت تعليمها الأولي، قبل أن تنتقل إلى إسبانيا لمتابعة دراستها الجامعية في مدريد؛ وهناك نالت الإجازة في الأدب سنة 1957، ثم دكتوراه الدولة سنة 1978.
مكنها هذا المسار التعليمي من تحصيل تكوينٍ مزدوج يجمع بين الثقافة المغربية الأصيلة والمرجعية الأكاديمية الأوروبية، ما انعكس بوضوح على عمق طروحاتها الفكرية.
“الملكة خناثة”: تأسيسُ السرد التاريخي النسائي
واشتغلت آمنة اللوه على نصوصٍ تجمع بين صرامة البحث التاريخي وجماليات الصياغة الأدبية.
وتعد روايتها “الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل” من النصوص المؤسسة في السرد النسائي المغربي المبكر؛ إذ استحضرت من خلالها شخصية تاريخية نسائية وازنة داخل بنية سردية يلتقي فيها التوثيق بالتخييل، لتقديم قراءة فنية لمرحلة هامة من تاريخ المغرب.
رسالةُ التربية وقضايا التعليم
وتجاوز الحضور المعرفي لآمنة اللوه حدود الأدب نحو الاشتغال الثقافي والتربوي الأوسع؛ حيث كتبت في مجال الطفولة والتعليم، وكرست جزءاً من جهدها لقضايا التربية في السياق المغربي.
ويجسد هذا التوجه وعياً مبكراً بدور المثقف في المساهمة في بناء الشخصية الوطنية وتطوير المنظومة التعليمية.
الحضورُ الصحفي والنقاش الثقافي
وأغنت آمنة اللوه الصحافة المغربية بمقالاتٍ تناولت قضايا اجتماعية وثقافية ملحة، كما انشغلت بتوثيق تاريخ التعليم العربي في شمال المغرب.
وقد منحها هذا النشاط الدؤوب موقعاً متميزاً داخل النقاش الثقافي والفكري في فترتها، محولةً القلم إلى أداة للتغيير الاجتماعي والتنوير المعرفي.
رحيلُ الرائدة وبقاءُ الأثر
رحلت آمنة اللوه سنة 2015، مخلفةً وراءها إرثاً ممتداً بين صرامة البحث، وجماليات الكتابة، وشجاعة التأسيس؛ مخلدة اسمها في ذاكرة الأدب المغربي بوصفها القلم الذي شرع أبواب السرد النسائي، وعبّد الطريق أمام أجيال من الكاتبات اللواتي وجدن في مسارها منارة ملهِمة.
علاء البكري



