يحلّ عيد الأضحى في المغرب كل عام محمولًا على مزيج من الترقب والانشغال، وتتبدل ملامح الأسواق، وتدخل البيوت في حالة استعداد جماعي، وتعود إلى الواجهة تفاصيل ظلّت جزءًا من الذاكرة المغربية لعقود طويلة.
ويحضر العيد بوصفه موعدا تتقاطع داخله الشعيرة الدينية مع دفء الروابط العائلية، وتستعيد خلاله الطقوس القديمة مكانها داخل البيوت والأحياء
وتبدأ الحكاية قبل العيد بأسابيع، حين تستعيد أسواق المواشي حركتها، ويتجه الناس نحو “الرحبات” والأسواق الأسبوعية، يحمل كل واحد منهم تصورًا خاصًا عن الأضحية؛ سلالة بعينها، وزن يناسب الإمكانيات، وثمن لا يثقل كاهل الأسرة.
وبين الباعة والمشترين تدور مساومات طويلة، يتخللها كثير من الفحص والتأمل، وكلمات مألوفة تتكرر كل عام حول جودة الخروف و“النية” ووفرة السوق.
ويحمل اقتناء الأضحية داخل الثقافة المغربية معنى يتجاوز فعل الشراء، لأنه يرتبط بفكرة المشاركة العائلية، وبصورة العيد كما ترسخت في الوجدان الجمعي؛ خروف يدخل البيت، أطفال يلتفون حوله بفضول، وأحاديث تبدأ منذ تلك اللحظة حول صباح الذبح وما يرافقه من تفاصيل.
غلاءٌ يثقل فرحة العيد
ويأتي عيد الأضحى هذا العام وسط نقاش واسع حول الأسعار، بعدما عبّرت أسر كثيرة عن قلقها من ارتفاع أثمان الأضاحي مقارنة بقدرتها الشرائية، في ظل ظرفية اقتصادية ما تزال تضغط على ميزانيات عدد كبير من المغاربة.
وتشير معطيات متداولة داخل الأسواق إلى تفاوت كبير في الأسعار بحسب السلالة والوزن والمنطقة، حيث تراوحت أثمان بعض الأضاحي بين ثلاثة آلاف وثمانية آلاف درهم، مع تسجيل ارتفاعات لافتة في بعض الأسواق والفضاءات التجارية.
ويربط مربّو الماشية جزءًا من هذا الارتفاع بتوالي سنوات الجفاف وغلاء الأعلاف وارتفاع كلفة التربية والنقل، وهي عوامل تركت أثرها على القطيع الوطني وعلى تكلفة الإنتاج.
وفي المقابل، يعبر مستهلكون كثيرون عن شعور متزايد بالضغط، لأن العيد بالنسبة إلى فئات واسعة يحمل بعدًا وجدانيًا واجتماعيًا يجعل الاستغناء عن الأضحية قرارًا صعبًا داخل كثير من البيوت.
ويبدو هذا القلق واضحًا داخل الأسواق؛ عائلات تكتفي بالمعاينة، وأخرى تؤجل الحسم إلى الأيام الأخيرة، على أمل تراجع الأسعار أو العثور على خيار يناسب الإمكانيات.
وتتحول أحاديث المقاهي والبيوت إلى نقاش مفتوح حول الكلفة، والقدرة على مجاراة موسم بات يفرض حسابات دقيقة على كثير من الأسر.
“الشناقة”: اسم يعود كلما اقترب العيد
ويعود اسم “الشناقة” إلى التداول كلما اقترب عيد الأضحى، في إشارة إلى الوسطاء الذين يتحركون بين الكسابة والأسواق، ويحمّلهم جزء من الرأي العام مسؤولية رفع الأسعار عبر المضاربة أو تعدد حلقات البيع.
ويثير هذا الموضوع جدلًا متكررًا داخل المغرب؛ فبعض المهنيين يرون أن السوق تحكمه قاعدة العرض والطلب وأن الأسعار تتحدد وفق تكاليف التربية وحجم الطلب، بينما يذهب كثير من المشترين إلى أن تدخل الوسطاء يسهم في رفع الأثمان بصورة تفوق القدرة الشرائية للأسر، خاصة داخل المدن الكبرى.
وقد صدرت خلال الأسابيع الماضية تحذيرات مهنية من تأثير المضاربة ومعاملات الوسطاء على توازن الأسعار مع اقتراب العيد.
ويمنح هذا النقاش موسم الأضحية بُعدًا يتجاوز الشعيرة الدينية، ليصل إلى أسئلة أوسع ترتبط بالاقتصاد اليومي، والعدالة في السوق، والقدرة على حماية المستهلك من تقلبات الأسعار.
صباح العيد: حين تستعيد البيوت نبضها القديم
ورغم كل ما يرافق الموسم من انشغالات، يصل صباح العيد محتفظًا بقدرته على جمع الناس حول لحظة مختلفة. ترتفع التكبيرات من المساجد، وتمتلئ الأزقة بحركة العائدين من صلاة العيد، وتبدأ البيوت في الاستعداد لطقس الذبح الذي ظل حاضرًا داخل الثقافة المغربية جيلاً بعد جيل.
وتأخذ الأدوار مكانها المعهود؛ من يهيئ مكان الذبح، ومن يساعد في التقطيع، ومن ينشغل بتنظيف الأحشاء، بينما يتحول البيت إلى ورشة عائلية صغيرة، يمتزج داخلها الجهد بروح المشاركة.
وسرعان ما تبدأ مرحلة ينتظرها كثيرون بشغف؛ إعداد الكبد وقطع اللحم الأولى، تتبّل بالتوابل المغربية وتلفّ بالشحم قبل أن تجد طريقها إلى الجمر. وتنتشر رائحة “بولفاف” في الأحياء، فتعلن بداية لحظة تحمل مذاقًا خاصًا داخل الذاكرة المغربية.
بين القلق والحنين: عيد يبحث عن توازنه
يحمل عيد الأضحى في المغرب هذا العام صورة مركبة؛ شعيرة دينية متجذرة، وطقوس اجتماعية تمنح البيوت دفئًا خاصًا، وأسئلة اقتصادية تثقل كاهل كثير من الأسر.
وبين هذه التفاصيل، يواصل المغاربة البحث عن توازن يحفظ روح المناسبة، ويمنح العيد قدرته القديمة على جمع الناس حول الفرح البسيط.
علاء البكري



