إدغار موران يودّع العالم بعد قرنٍ من الأسئلة

- Advertisement -

 

غاب الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام، تاركا وراءه واحدا من أكثر المشاريع الفكرية تأثيرا في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.

وقد أُعلن خبر وفاته اليوم السبت، بعد مسيرة امتدت لأكثر من ثمانية عقود من التفكير والكتابة والمساءلة، ظل خلالها حاضرا داخل النقاشات الكبرى التي شغلت الإنسان والعالم؛ من الحرب والهوية إلى المعرفة والتكنولوجيا والمصير الإنساني.

ولم يكن موران مجرد اسم عابر داخل الفلسفة أو علم الاجتماع، فقد ارتبط اسمه بمفهوم “الفكر المركّب”، ذلك المشروع المعرفي الذي سعى إلى كسر الجدران الفاصلة بين العلوم، والدعوة إلى فهم العالم بوصفه شبكة مترابطة من الظواهر، حيث لا يمكن فصل الإنسان عن تاريخه، أو السياسة عن الثقافة، أو العلم عن الأخلاق.

رجلٌ أحبّ المغرب حتى صار جزءا من يومه

واحتفظ المغرب بمكانة خاصة داخل حياة إدغار موران، حتى غدا حضوره في المملكة جزءا من إيقاعه الشخصي والفكري.

فقد اعتاد الإقامة لفترات طويلة بمدينة مراكش، إلى جانب زوجته المغربية صباح أبو السلام موران، وظلّ مرتبطا بالمشهد الثقافي المغربي، مشاركا في لقاءات فكرية ومهرجانات ونقاشات أكاديمية، حيث وجد في المغرب فضاء إنسانيا وثقافيا قريبا من روحه المتأملة.

وحمل موران تجاه المغرب تقديرا خاصا، عبّر عنه في أكثر من مناسبة، من خلال حديثه عن غنى الهوية المغربية وقدرتها على احتضان التعدد، وعن المجتمع المغربي بوصفه مساحة تتجاور فيها طبقات التاريخ والثقافة والذاكرة.

وقد رأى في المملكة نموذجا إنسانيا يستحق التأمل، لأن أسئلة الحداثة فيها تتجاور مع عمق الإرث الحضاري بصورة نادرة.

طفل عرف الفقد مبكرا فصار يسائل العالم

وُلد إدغار موران سنة 1921 في باريس باسم إدغار نعوم، داخل أسرة يهودية سفاردية تعود جذورها إلى مدينة سالونيك اليونانية.

ولم تكن طفولته عادية؛ فقد شكّل فقدان والدته وهو في العاشرة جرحا عميقا ظل حاضرا في كثير من تأملاته اللاحقة حول الموت والهشاشة الإنسانية.

وكان يصف تلك الخسارة باعتبارها زلزالا داخليا رافقه طوال حياته.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، انخرط في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، وهناك اتخذ اسم “موران” الذي رافقه لاحقًا.

وعبر تلك التجربة، تشكل جزء مهم من وعيه السياسي والإنساني، حيث ظل مؤمنا بضرورة مقاومة التطرف، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، والوقوف في وجه كل أشكال التعصب.

صاحب “الفكر المركّب” الذي رفض تجزئة العالم

وارتبط اسم إدغار موران بمشروع فكري ضخم حمل عنوان المنهج، وهو عمل استغرق إنجازه ما يقارب ثلاثة عقود، حاول خلاله إعادة التفكير في طريقة فهم الإنسان للعالم، منطلِقا من فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: العالم أكثر تعقيدًا من أن يُقرأ عبر تخصص واحد أو تفسير واحد.

وقد دعا موران إلى وصل المعارف بدل تفكيكها، وإلى بناء رؤية ترى العلاقات الخفية بين الظواهر.

عند موران، يلامس الاقتصاد الثقافة، والسياسة تتداخل مع علم النفس، والعلوم الطبيعية تتقاطع مع الأسئلة الأخلاقية.

ومن هنا وُلد مفهوم “الفكر المركّب”، الذي جعل منه واحدا من أبرز الأصوات الفكرية في العالم، وأحد أكثر المفكرين حضورا داخل الجامعات ومراكز البحث، خاصة في أميركا اللاتينية وأوروبا.

مثقفٌ ظلّ وفيا لأسئلة الإنسان

واحتفظ موران حتى سنواته الأخيرة بفضول فكري نادر، وظل يكتب ويحاضر ويتدخل في النقاشات العامة، مدافعا عن قيم الحوار والتسامح، ومحذرًا من صعود الشعبوية والتطرف والعزلة الثقافية.

وقد انشغل بأسئلة البيئة، والهوية، والعولمة، ومستقبل الإنسانية، وظل يرى أن العالم يحتاج إلى “يقظة أخلاقية” تعيد الاعتبار للتضامن بين البشر.

وكانت كتاباته تحمل نبرة إنسانية واضحة، تنظر إلى الإنسان بوصفه كائنا هشا ومعقدا في الوقت نفسه، قادرا على الخطأ كما يملك قدرة دائمة على التعلم وإعادة البناء.

وفي زمن يميل إلى التبسيط السريع، تبدو أفكار موران أكثر راهنية من أي وقت مضى، لأنها دعت دائمًا إلى التفكير بعمق، وإلى الإصغاء لتعقيد العالم بدل الهروب منه، وإلى الإيمان بأن الإنسان يملك، رغم كل العواصف، قدرة دائمة على إعادة اكتشاف معنى العيش المشترك.

علاء البكري