قمة الحرفيات الإفريقيات بين رهان الاستدامة والسيادة الرقمية

- Advertisement -

في غمرة الحركية الإبداعية التي تشهدها العاصمة الاقتصادية، واصلت قمة النساء الحرفيات الإفريقيات في يومها الثاني نسج خيوط أفقها التنموي الواعد.

وانتقلت فعاليات المعرض، اليوم الجمعة، من سحر العرض اليدوي الباهر وصوت المغازل الدافئ، إلى صياغة استراتيجيات اقتصادية مستقبلية تزاوج بكثير من الهيبة بين أصالة التراث غير المادي وآليات العصر الحديث الرقمية.

ومنذ إشراقة الصباح الأولى، شرعت أبواب المعرض في استقبال زوارها، وافتتحت رحلة بصرية وثقافية ممتدة عبر جغرافية القارة السمراء، وسرعان ما تحولت فضاءات النقاش الفسيحة إلى ورشات تفكير حي، تبحث للحرفة الإفريقية عن موطئ قدم راسخ في الخارطة الاقتصادية العالمية الشرسة.

ممرات تجارية نحو العالمية: باريس تفتح أبوابها للأنامل الإفريقية

وشكلت الندوة الثالثة، الموسومة بـ “النمو المشترك والممرات التجارية للنساء الحرفيات”، نافذة استشرافية بامتياز؛ وتجسد هذا الطموح بشكل ملموس في عرض ممر “باريس” التجاري الذي يقوده الخبير الفرنسي فرانك كلير، رئيس ومؤسس “أسبوع الحرفيات المغربيات بالمنطقة الباريسية”.

وفي شهادة حية تعكس عمق الشراكة الدولية، أكد الرئيس المؤسس لأسبوع الحرفيات المغربيات في باريس (سيفارم باريس)، فرانك كلير، أن الممر يهدف لتمكين الصانعة الإفريقية من عرض إبداعها بمركز العاصمة الفرنسية دون وسائط، مع توفير ميزة استثنائية تتجلى في إعادة العائدات المالية للمبيعات كاملة بنسبة مئة بالمئة للحرفيات لضمان استقلاليتهن المالية وتثمين جهدهن الحثيث.

وأضاف أن هذا الممر يمتد ليشمل أبعادا تكوينية رفيعة، من خلال تنظيم زيارات لورشات كبار الحرفيين بفرنسا، ودور الأزياء العالمية الكبرى كـ “شانيل” و”لويس فويتون”، للوقوف على أدق معايير الجودة والتنافسية الدولية.

شهادات من قلب الورشة: عندما تصبح الحرفة عملا فنيا

وتجلت ثمار هذه الشراكات الدولية في شهادات مؤثرة لحرفيات أجمَعن على التحول الإيجابي في مساراتهن المهنية بفضل التوجيهات الميدانية.

وساهمت هذه التجربة في إعادة تشكيل نظرتهن للمنتج التقليدي، والانتقال به نحو آفاق التثمين والتطوير ليلائم الأذواق العالمية.

كما شهدت المنصة الاحتفاء بنجاح تجارب رائدة دمجت فنون الحياكة والتطريز العريقة في تصاميم عصرية راقية للأثاث والأزياء، مبرهنة على كفاءة الصانعة الإفريقية في تطويع التراث وجعله يتحدث لغة العصر الحالية بذكاء وجاذبية.

من الفضاء الواقعي إلى الفضاء الرقمي: موقع إلكتروني يحمل الهوية الإفريقية

وتوجت نقاشات هذا اليوم بإعلان استراتيجي بالغ الأهمية، تمثل في إطلاق منصة رقمية وموقع إلكتروني متكامل مخصص بالكامل للصانعات التقليديات.

وتأتي هذه الخطوة الطموحة لتشكل حلا عمليا يختزل المسافات المعقدة، ويسهل عمليات عرض المنتجات وبيعها بشكل مباشر للعالم.

ومن خلال هذا الفضاء الرقمي السيادي، تجد الحرفية الإفريقية منصة آمنة ومستدامة تتيح لها ترويج إبداعها اليدوي وتأمين دخلها الاقتصادي، متحررة من قيود الجغرافيا وسلطة الوسطاء.

دبلوماسية الحِرف: شراكة استراتيجية عابرة للحدود مع النيجر

وامتدت مخرجات هذا اليوم لتثمر تحالفات مؤسساتية متينة تعزز عمق التعاون جنوب-جنوب داخل القارة السمراء.

وفي هذا السياق، شهدت أروقة القمة حدثا بارزا تمثل في توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع المعرض الدولي للمرأة الحرفية في النيجر (SAFEM)، بهدف مد جسور التعاون المهني وتكريس التضامن بين الحرفيات الإفريقيات.

وفي تصريح لها بهذه المناسبة، أكدت رئيسة شبكة الصانعات التقليديات بالمغرب “دار لمعلمة”، فوزية طالوت المكناسي، أن هذه الشراكة التاريخية الموقعة على هامش معرض “أكسبو دار لمعلمة 2026” تؤسس لتعاون عملي يرتكز على تفعيل التبادل المهني، وتوفير التكوين المستمر، وخلق تكامل حقيقي بين الحرفيات.

وأبرزت رئيسة الشبكة أن هذا التوافق يفتح آفاقا استشرافية واعدة لبناء شبكة شراكات مستدامة تدعم التمكين الاقتصادي والاجتماعي للصانعة الإفريقية.

الاستثمار والذكاء الاصطناعي: ملامح غد واعد

وتطمح الحرفة التقليدية الإفريقية اليوم إلى هيكلة مالية واستثمارية صلبة، وهو الرهان الذي وضعت ملامحه الندوة الثانية للقمة تحت عنوان “إدماج معايير الاستدامة والحكامة البيئية والاجتماعية (ESG): جعل الصناعة التقليدية الإفريقية قابلة للتمويل وجاذبة للاستثمار العالمي”.

وفتح هذا المحور نقاشا عميقا حول آليات تأهيل التعاونيات والشبكات الحرفية النسائية لتصبح مشاريع مدرة للدخل، قادرة على استقطاب الرساميل الدولية عبر الالتزام بمعايير المسؤولية البيئية والاجتماعية.

وفي امتداد هذا التفكير المتجدد، انفتح الملتقى على الثورة الرقمية الشاملة عبر تدارس آليات الرقمنة والذكاء الاصطناعي كأدوات لتقليص المسافات وتسهيل اللوجستيك، لتنتقل الصانعة الإفريقية بمنتوجها من الورشات المحلية الضيقة مباشرة إلى الأسواق الدولية دون قيود.

ومع اقتراب المساء، تحول الزخم الفكري إلى حركية إنسانية ومهنية مباشرة عبر فضاءات التواصل وبناء الشبكات (Networking) بين الحرفيات الإفريقيات؛ لتُطوى صفحة اليوم الثاني لقمة الدار البيضاء على يقين متجدد بأن الأنامل التي تحرس إرث القارة وصورتها، باتت اليوم تمسك بمفاتيح استثمارية ورقيمة تعيد صياغة مفهوم الحرفة، وتنقل إبداع النساء من خانة الاحتفاء العابر إلى قلب الاقتصاد الحي المستدام.

علاء البكري