صفية أكُومي
إصلاح مدونة الأسرة لم يعد مجرد مسألة قانونية، بل أصبح مرآة لتطلعات المجتمع المغربي وعمق تحولاته. بعد أكثر من عشرين سنة على اعتماد مدونة 2004، يقف المغرب اليوم أمام منعطف تاريخي.
لقد شكل الإصلاح الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس – نصره الله – خطوة كبرى عززت حقوق النساء، وحمت الأطفال، وأرست توازنا جديدا في العلاقات الأسرية. غير أن المغرب اليوم ليس هو المغرب سنة 2004.
فالنساء المغربيات أصبحن حاضرات في كل فضاءات القرار والإبداع: في الجامعات، والمقاولات، والجماعات، والمهن الحرة، والمشاريع الريادية. إنهن يبتكرن، ويقودن، ويسهمن في الاقتصاد الوطني، حتى أصبحت المرأة ركيزة لا غنى عنها في مسار التنمية.
لكن هذه الحقيقة الاجتماعية والاقتصادية تفرض إصلاحا يتجاوز النصوص، ويترجم الحقوق إلى واقع ملموس. فكثيرا ما تجد النساء أنفسهن في مواجهة مساطر طويلة، وأحكام قضائية غير منفذة، أو مقتضيات قانونية لم تعد ملائمة. إن الطلاق، والترمل، والنزاعات الإرثية لا ينبغي أن تبقى مناطق رمادية تضيع فيها العدالة وتهان الكرامة.
وقد ذكر جلالة الملك بمبدأ أساسي: لا إصلاح يجيز ما حرم الله، ولا إصلاح يمنع ما أحله الله. هذا التوجيه يضع النقاش في إطار توازن راسخ، يحترم الثوابت الدينية، وينفتح في الوقت نفسه على مقتضيات الدستور ومتطلبات التنمية البشرية.
المطلوب اليوم واضح: عدالة أسرية سريعة وميسرة، وحماية فعلية للنساء والأطفال، ومساطر مبسطة، ومواكبة اجتماعية تضمن ألا تترك أي امرأة وحيدة في مواجهة الهشاشة.
إن إصلاح مدونة الأسرة ليس شأنا قانونيا صرفا، بل هو قضية مجتمع بأكمله: علماء، وقضاة، وجامعيون، وجمعيات، وفاعلو المجتمع المدني، ومواطنون. في جوهره، هو إعادة صياغة لرؤية الأسرة المغربية باعتبارها فضاء للتضامن، والتربية، والكرامة.
لكن يجب أن نقول بوضوح: الإصلاحات السابقة لم تعد كافية، والاعتقاد بأن القانون وحده سيحل كل أشكال التمييز مجرد وهم. فالإصلاح ينبغي أن يواكب بجهود في التربية، والتوعية، والتنمية الاقتصادية، والحماية الاجتماعية.
بعد عقدين من الزمن، لم يعد يكفي الحديث عن “مكتسبات”. فالنساء يعرفن، من واقع حياتهن اليومية، أن هناك مظالم ما زالت قائمة، وأن هناك تراجعات تسجل. لقد حان الوقت لا للاحتفال بالماضي، بل للمطالبة بإصلاح يضمن المساواة الكاملة والحماية الضرورية.
هذه المطالب ليست نظرية، بل تمس حياة حقيقية: أسرا، وأرامل، وأمهات وبنات. في لحظات الفقد أو الضعف، تواجه النساء مقتضيات قانونية تزيد من ألمهن وتضيف إليه ظلما جديدا. إن التضامن العائلي، مهما كان ثمينا، لا يمكن أن يعوض إطارا قانونيا عادلا ومنصفا.
في زمن الذكاء الاصطناعي، والشبكات الاجتماعية، والعولمة، لا يمكن أن يكتب واقع النساء المغربيات فقط في ذاكرة إصلاحات منجزة؛ بل يكتب في أفق أمل جديد، حيث تعيش كل امرأة بكرامة، وبفرص متكافئة، وباعتراف كامل بمساهمتها في تنمية الوطن.
فحماية المرأة هي حماية للأسرة، واستقرار للطفل، وتعزيز للاقتصاد، وتقدم للأمة. لذلك، فإن مراجعة مدونة الأسرة ليست مجرد إصلاح قانوني، بل هي موعد تاريخي مع طموح المغرب في العدالة والإنصاف، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس – نصره الله.



