بقلم: فوزية طالوت مكناسي
ثمة لحظات لا تنتمي إلى الأخبار العابرة، بل تخاطب التاريخ مباشرة.
إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية ليس مجرد حدث سياسي عابر أو سابقة دستورية نستحضرها لبضعة أيام ثم نمضي، بل هو لحظة تختزل مساراً طويلاً من النضال والصبر والعمل المتراكم الذي امتد لأكثر من ثمانين عاماً، منذ أن بدأت المرأة المغربية تشق طريقها نحو الفضاء العام، وتفرض حضورها كشريكة كاملة في بناء الوطن.
وأنا أتابع هذا التحول التاريخي، عادت بي الذاكرة إلى سنة 1991؛ حين أطلقتُ مجلة «فرح»، كأول مجلة نسائية مغربية تستجيب للمعايير الدولية للصحافة النسائية. لم يكن الطموح محصوراً في تقديم وصفات الطبخ أو أحدث صيحات الموضة، بل ينبع من إيمان عميق بأن المرأة المغربية تستحق منبراً يمثل الفكر الثقافة، والرأي، والنقاش العمومي.
غير أن المجتمع حينها لم يكن مستعداً بالكامل لهذا الطموح؛ فعندما تقدمت بطلب الانضمام إلى النقابة الوطنية للصحافة رُفض الطلب، وقيل لي بصريح العبارة إن الصحافة النسائية ليست صحافة حقيقية، كما أُبلِغتُ في وزارة الإعلام بأن النساء بحاجة فقط إلى صفحات الموضة والطهي.
لم يكن ذلك موقفاً فردياً، بقدر ما كان انعكاساً لمرحلة كاملة من تاريخنا، كان على المرأة فيها أن تثبت يومياً أحقيتها في الوجود داخل المجال العام. واليوم، ونحن نشهد امرأة تتولى قيادة السلطة التنفيذية، يبدو ذلك المشهد وكأنه ينتمي إلى زمن بعيد، مع أن الطريق إليه لم يكن قصيراً أبداً.
من مليكة الفاسي إلى فتيات المغرب
قبل أن تتسلم امرأة رأس السلطة التنفيذية، كان لا بد أن تعبر أجيال كاملة من النساء مسارات شاقة. وعند استحضار النضال النسائي المغربي، تستحضر الذاكرة مليكة الفاسي، المرأة الوحيدة الموقعَة على وثيقة المطالبة بالاستقلال، ونساء “أخوات الصفا” اللواتي طالبن منذ أربعينيات القرن الماضي بحق الفتاة المغربية في التعليم؛ إذ أدركت تلك الرائدات مبكراً أن المدرسة هي المفتاح الأول للكرامة والاستقلال والمواطنة.
ومنذ ذلك الحين، انطلقت رحلة طويلة لم تتوقف. وما كان لهذا التطور أن يتحقق لولا الدور الكبير الذي لعبته صاحبة السمو الملكي الأميرة لالة عائشة في خطابها التاريخي بطنجة في أبريل 1947، ودور الاتحاد الوطني لنساء المغرب الذي تأسس تحت رئاسة سمو الأميرة لالة فاطمة الزهراء عام 1968، ثم واصل مسيرته بثبات وحداثة تحت الرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة لالة مريم منذ عام 2003، إلى جانب التزام العديد من الجمعيات التي سلطت الضوء على الحقوق، والتعليم، والمشاركة الاقتصادية، والتمثيلية السياسية.
من التمثيلية إلى صنع القرار
وشكل دخول النساء إلى البرلمان عام 1993 لحظة فارقة؛ إذ أثبتت شخصيات مثل بديعة الصقلي ولطيفة بناني سميرس أن النساء يمتلكن كامل الأهلية للنقاش التشريعي وتدبير الشأن العام.
ومنذ ذلك الحين، اقتحمت المغربيات تدريجياً المجالس الجماعية، والجهات، والإدارات، والمؤسسات العمومية، والجامعات، والمؤسسات الدستورية.
بكين: والطفلة المغربية التي لم تغادر ذاكرتي
في سنة 1995، شاركتُ في أشغال المؤتمر العالمي الرابع للمرأة الذي نظمته الأمم المتحدة في بكين، ضمن منظمة نسائية دولية مقرها واشنطن ساهمت في إعداد أرضية النقاش الخاصة بالمؤتمر.
ورغم حضور أكثر من ثلاثين ألف امرأة من مختلف أنحاء العالم وضخامة الحدث، لم تغادر ذهني صورتان: الأولى: لمليكة الفاسي وجيل الرائدات المغربيات. والثانية: لطفلة من العالم القروي المغربي تحمل قِربة الماء وتسير كيلومترات طويلة قبل أن تفكر في الذهاب إلى المدرسة.
بين هاتين الصورتين اختصر المغرب أسئلته الكبرى: كيف تتحول الحقوق المكتوبة إلى واقع معاش؟ وكيف تصل التنمية إلى النساء البعيدات عن مراكز القرار؟ وكيف تصبح المرأة شريكة حقيقية في التنمية لا مجرد مستفيدة منها؟
الثورة الهادئة التي غيرت المغرب
وشهد المغرب خلال العقود الأخيرة ثورة هادئة في المدارس، والجامعات، والمؤسسات، والتعاونيات، وورشات الصناعة التقليدية؛ حيث التحقت ملايين الفتيات بالتعليم، وأصبحت آلاف النساء طبيبات، ومهندسات، وأستاذات جامعيات، وقاضيات، ورئيسات مقاولات، ودخلت المرأة البرلمان والجماعات الترابية ومراكز القرار.
كما تعززت حقوقها بإصلاح مدونة الأسرة سنة 2004، ثم بالدستور الذي كرس مبادئ المساواة والمواطنة والمناصفة. غير أن الإنجاز الأكبر يكمن في التحول العميق الذي عرفته المرأة المغربية في نظرتها إلى ذاتها؛ فبعد أن كانت تطالب بالمكان، أصبحت هي من تصنعه، وبعد أن كانت تنتظر الفرصة، أضحت هي من تخلقها.
من «دار المعلمة» إلى رئاسة الحكومة
منذ سنوات طويلة، وأنا أشتغل إلى جانب النساء الحرفيات عبر مشروع «دار المعلمة»، وقد تعلمت من آلاف المغربيات درساً أساسياً: أن التمكين يبدأ من الثقة بالنفس قبل القوانين. لقد رأيت نساء لم يغادرن قراهن قط يمثلن المغرب في معارض دولية، وحرفيات بسيطات يتحولن إلى فاعلات اقتصاديات يسهمن في إعالة أسرهن وحفظ التراث الوطني.
لذا، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة هو انتصار لكل امرأة مغربية آمنت بنفسها رغم الصعوبات، ولكل أم أصرت على تعليم ابنتها، ولكل معلمة زرعت الأمل في نفوس تلميذاتها، ولكل امرأة اختارات أن تكون فاعلة لا متفرجة.
الحكومة لا جنس لها
بعد أن كتبتُ سابقا عن تعيين امرأة على رأس الحكومة ثم عن مسارها الشخصي، أجد نفسي أعود إلى الفكرة الجوهرية: الحكومة لا جنس لها… بل لها رؤية، وبرنامج، ومسؤولية، والتزام تجاه المواطنات والمواطنين.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تقييم التجربة بناءً على جنس من يقودها، ولا في منحها صك نجاح مسبق، بل في الاحتكام إلى معيار واحد: ماذا ستقدم للمغرب؟ فالسياسة والديمقراطية الحقيقية تقوم على كفاءة المسؤول وقدرته على تحقيق النتائج.
المغرب الذي نريده لبناتنا
إن تعيين امرأة على رأس الحكومة هو بداية لمرحلة جديدة؛ مرحلة يصبح فيها وصول النساء إلى أعلى المسؤوليات أمراً طبيعياً، ولا تضطر فيها الفتاة المغربية إلى إثبات أحقيتها في الحلم، بل يغدو النجاح مرتهناً بالكفاءة والاجتهاد.
من “أخوات الصفا” إلى رئاسة الحكومة، كتبت النساء المغربيات فصولاً مشرقة من تاريخ الوطن



