في لحظة تضع الطفولة في قلب الانشغال العمومي، اختارت المؤسسات المعنية الانطلاق من أرضية المعرفة الراسخة بعيداً عن الانطباعات العابرة.
ومن مدينة سلا، انطلق مشروع وطني واسع يروم تفكيك ظاهرة العنف ضد الأطفال، بوصفها سؤالاً مجتمعياً مركباً يتطلب تشخيصاً عميقاً وأدوات رصد دقيقة.
يتجه هذا الورش، الذي أطلقته وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة بشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية، نحو بناء صورة شاملة عن حجم الظاهرة وأنماطها وامتداداتها داخل فضاءات عيش الطفل؛ من الأسرة إلى المدرسة، وصولاً إلى الشارع والعالم الرقمي.
وتتخطى الغايةُ حدود الإحصاء المجرد لتشمل فهم السياقات، ورصد التحولات، والتقاط الأشكال المستجدة للعنف التي تتسلل بهدوء إلى الحياة اليومية.
تشريحٌ علمي لظاهرة معقدة
ويراهن البحث على مقاربة متعددة الأبعاد، تضع تحت المجهر العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والتربوية المغذية للظاهرة، في مسعى لربط الأرقام بسياقاتها، وتحويل المعطيات إلى أدوات للفهم واتخاذ القرار.
كما يمتد الاهتمام إلى قياس آثار العنف على الصحة الجسدية والنفسية للأطفال، وعلى مساراتهم التعليمية وتوازنهم الاجتماعي.
ويجسد هذا التوجه وعياً متزايداً بأن حماية الطفولة تستوجب تجاوز ردود الفعل الظرفية نحو بناء قاعدة معرفية صلبة تتيح صياغة سياسات دقيقة، قادرة على الوقاية والتدخل والتكفل الناجع.
المعرفةُ مدخلاً للسياسات العمومية
في هذا السياق، أكدت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة ابن يحيى، أن هذا المشروع يكرس تحولاً في منهجية الاشتغال؛ حيث تصبح المعطيات الإحصائية الدقيقة أساساً لتوجيه السياسات العمومية وترشيد البرامج الاجتماعية.
وأشارت إلى أن فهم الجذور العميقة للعنف ورصد أشكاله المستجدة يفتحان الطريق أمام تدخلات أكثر نجاعة، قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية المتسارعة.
ويمتد هذا الرهان إلى أفق أبعد، يرتبط بإعداد توجهات جديدة للسياسة العمومية لحماية الطفولة في أفق سنة 2035، بما يعزز مكانة الطفل داخل منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة.
التقائيةٌ مؤسساتية لبناء رؤية مشتركة
من جهته، أبرز عثمان الكاير، رئيس المرصد الوطني للتنمية البشرية، أن هذا البحث يشكل أداة استراتيجية لإنتاج معرفة دقيقة تدعم القرار العمومي وتوجهه نحو مزيد من الاستهداف والفعالية.
واعتبر أن الاستثمار في الطفولة يندرج في صلب بناء الدولة الاجتماعية، حيث تتحول حماية الأطفال إلى ركيزة أساسية للتنمية المستدامة.
أما عياش خلاف، الكاتب العام للمندوبية السامية للتخطيط، فقد شدد على ارتهان أي سياسة عمومية ناجعة بتوفر معطيات محينة وموثوقة، مبرزاً الدور المحوري للمندوبية في تجميع البيانات وتحليلها لضمان قراءة دقيقة للظاهرة على الصعيد الوطني.
وفي البعد الدولي، اعتبرت “نسيم آول”، نائبة ممثلة منظمة اليونيسف بالمغرب، أن هذه المبادرة تندرج ضمن جهد عالمي لمواجهة ظاهرة تمس مختلف المجتمعات، مؤكدة الحاجة إلى قاعدة بيانات قوية تتيح صياغة استراتيجيات متدرجة، تجمع بين التدخل الفوري والرؤية بعيدة المدى.
توقيعٌ يؤسس لمرحلة جديدة
وتُوّج الحدث بتوقيع مذكرة تفاهم بين مختلف الشركاء، في خطوة ترسخ منطق العمل التشاركي، وتفتح المجال أمام حكامة مندمجة في التعاطي مع قضايا الطفولة.
وبذلك يضع المغرب لبنة جديدة في بناء سياسة عمومية قائمة على الدليل، حيث تتحول الأرقام إلى بوصلة، والمعرفة إلى أداة حماية، في أفق مجتمع يمنح أطفاله ما يستحقونه من أمان وكرامة ونمو سليم.
(ومع) – فرح



