في منتصف القرن العشرين، عاش المغرب تحولات سياسية عميقة، كانت الكلمة خلالها تبحث عن موقعها وسط ذلك الاضطراب.
وفي هذا السياق، وُلدت ثريا السقاط يوم 10 أكتوبر 1935 بمدينة فاس، في بيئة مشبعة بالروح الوطنية والثقافة الفنية؛ إذ ساهم محيطها الأسري في توجيهها نحو الأدب منذ البدايات الأولى.
ترعرعت الراحلة داخل فضاء يمتزج فيه الحس الفني بالوعي السياسي، ما جعل تكوينها المبكر أساساً لكتابةٍ ظلت مرتبطة بالإنسان في أقصى لحظات ضعفه وقوته.
بين رسالة التعليم والالتزام الثقافي
اشتغلت ثريا السقاط بالتدريس في مدينة الدار البيضاء، متجاوزةً دور المربية التقليدي نحو الانخراط الفاعل داخل الوسط الثقافي؛ حيث نسجت علاقات واسعة مع المثقفين والمناضلين.
وصار بيتها فضاءً مفتوحاً للنقاش، يلتقي فيه الأدب بالسياسة، والفكر بتفاصيل الحياة اليومية. وانضمت إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1990، مكرسةً حضورها داخل المشهد الثقافي في فترة كانت فيها الكتابة النسائية ترسخ موقعها وثباتها.
حياةٌ تتقاطع مع مسارات النضال
ارتبط اسم ثريا السقاط بالشاعر والمناضل محمد الوديع الآسفي، في علاقة جمعت بين الود والالتزام الفكري.
وعاشت ضمن هذا المسار تجربة إنسانية قاسية ارتبطت بالاعتقال السياسي الذي طال زوجها وعدداً من أبنائها، في مرحلة اتسمت بالتوتر السياسي الحاد.
وتخطت هذه التجربة حدود الواقع لتستقر في صلب النص الأدبي؛ إذ تحول الألم من الذاكرة إلى السرد، ومن المعاناة الحية إلى الصفحة المكتوبة.
الكتابةُ بوصفها شهادةً حية
في عملها “مناديل وقضبان: رسائل السجن” الصادر سنة 1988، دونت ثريا السقاط تجربة السجن من الداخل، عبر شهادات إنسانية تنقل تفاصيل الانتظار والأمل.
ويُعد هذا النص من أوائل الأعمال المغربية التي قاربت الاعتقال السياسي بصوت نسائي مباشر.
وإلى جانب السرد، كتبت الشعر في ديوان “أغنيات خارج الزمان”، حيث اتجه النص نحو التعبير عن التجربة الوجدانية في أبعادها الإنسانية العميقة.
أدبُ الطفل: وجهٌ آخر للتجربة
تعدت كتاباتها حدود الألم لتشمل عالم الطفولة؛ فأصدرت قصصاً منها: “فاطمة المفجوعة”، “اللبؤة البيضاء”، “حوار مع الأمواج”، و”النسر الرمادي”.
ويظهر في هذه النصوص اهتمامها بتشكيل وعي مبكر، وتقديم عالم يحمل قيماً إنسانية رفيعة بأسلوب مبسط ورصين.
عائلةٌ تواصل ملامح الأثر
وامتد حضور ثريا السقاط داخل أسرتها؛ إذ أنجبت الشاعر صلاح الوديع، والناشطة الحقوقية الراحلة آسية الوديع، في سياق عائلي ظل وفياً للثقافة والنضال.
ويمثل هذا الامتداد أثراً يسمو على فعل الكتابة ليصبح تأثيراً حياً في الأجيال المتعاقبة.
رحيل الجسد وبقاء الذاكرة
رحلت ثريا السقاط سنة 1992 بعد مسار حافل جمع بين الإبداع والالتزام؛ وظل اسمها محفوراً في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، سجلت فيها المرأة نصها وهي تعيش التحول، وحفظت الذاكرة وهي في طور التشكيل.
وتتجلى تجربتها اليوم حضوراً لكاتبة جعلت من النص مساحة للشهادة، ومكاناً أميناً لحفظ ما لا يُقال بسهولة.
علاء البكري



