أسدل مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة الستار على دورته التاسعة والعشرين بعد أربعة أيام من العروض واللقاءات الثقافية التي حولت العاصمة الروحية للمملكة إلى فضاء مفتوح للحوار الموسيقي والروحي، وسط حضور جماهيري لافت ومشاركة فنانين قدموا من مختلف أنحاء العالم.
وعاشت مدينة فاس، على امتداد أيام المهرجان، إيقاعاً فنياً متنوعاً جمع بين الموسيقى الروحية والتقليدية والعروض الكوريغرافية، حيث استقطبت مختلف فضاءات التظاهرة، من دار عديل إلى حدائق جنان السبيل وساحة باب الماكينة، آلاف الزوار الذين تابعوا السهرات والعروض بكثافة، في مشهد يعكس ارتباط الجمهور الفاسي بهذا الموعد الثقافي السنوي.
وشهدت الدورة مشاركة أزيد من 160 فنانا يمثلون نحو عشرين بلدا، قدموا ما يقارب 18 عرضا فنيا، إلى جانب مؤتمرات فكرية ولقاءات ثقافية ومعارض فنية، فيما تجاوز عدد الحضور 32 ألف متفرج، من بينهم نحو خمسة آلاف شخص تابعوا العروض الكبرى بساحة باب الماكينة.
افتتاح يزاوج بين الشعر والفرجة
واستهل المهرجان فعالياته بعرض افتتاحي حمل عنوان “انبثاق الروح من المادة.. من السماء إلى الأرض”، وهو عمل مزج بين الشعر البصري والكوريغرافيا للاحتفاء بالصانع التقليدي المغربي وإبداعاته، في لوحة فنية جمعت بين البعد الجمالي والرمزي.
كما سجلت الدورة حضورا لافتا للموسيقى الصينية التقليدية من خلال مشاركة مجموعة غرفة المعهد الموسيقي للصين، التي قدمت عرضا لأول مرة بفاس، في تجربة فتحت جسرا فنيا بين ثقافات الشرق الأقصى وروح المدينة العتيقة، إلى جانب عرض لفنان الجاز السويسري ليون فال.
ألمانيا ضيف شرف وأصوات نسائية متعددة
وحلت ألمانيا ضيف شرف على دورة هذه السنة، تزامناً مع مرور سبعين عاماً على العلاقات الدبلوماسية المغربية الألمانية، حيث خصص المهرجان لحظة تكريم خاصة لهذا الحدث.
كما شكل حفل “أناشيد.. أصوات نساء الشرق والغرب” إحدى أبرز محطات الدورة، من خلال لقاء فني جمع أصواتا نسائية من خلفيات موسيقية متعددة، من بينها الفنانة الأسترالية الألمانية كاتي فرانكي، واللبنانية غادة شبير، والفنانة الفاسية نبيلة معان، إلى جانب الهندية كاوشيكي شاكرابارتي ومجموعة أحواش إسافن للأطلس الكبير.
سامي يوسف يخطف الأنظار
وكان الفنان البريطاني سامي يوسف أحد أبرز نجوم الدورة، بعدما استقطبت حفلاته حضورا جماهيريا كبيرا بساحة باب الماكينة، حيث تفاعل الجمهور مع عرضه الموسيقي ذي الطابع الروحي.
كما تميزت البرمجة الفنية بمشاركة نجمة القوالي سانام مارفي، إلى جانب عرض “التجسيد” للرقصات الخميرية المقدسة القادمة من كمبوديا، فيما حملت فقرة “أغاني الجبال والسهول – استحضاراً لطريق الحرير” الجمهور في رحلة موسيقية عبر منغوليا وأوزبكستان وطاجيكستان.
واختُتمت الدورة بأمسية “ليلة السماع.. من فاس إلى قونية”، التي مزجت بين فن السماع المغربي والتقليد المولوي للدراويش الدوارين بمدينة قونية التركية، في عرض حمل أبعاداً روحية وإنسانية، وعرف مشاركة ثانية للفنان سامي يوسف وسط حضور جماهيري كبير.
مهرجان يتجاوز العروض الموسيقية
ولم يقتصر المهرجان على السهرات الفنية، إذ احتضنت الدورة التاسعة والعشرون منتدى فكرياً ناقش قضايا الحفاظ على التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة، مع تسليط الضوء على العلاقة بين فن الزليج المغربي والعلوم.
كما شهدت الدورة إطلاق جائزة “Le Souffle de…” احتفاء بإبداع الصناع التقليديين وتشجيعا للمواهب الشابة في مجال الحرف، إلى جانب تنظيم معارض فنية وبرنامج صباحي جديد أتاح للزوار توسيع تجربتهم الثقافية خارج أوقات السهرات.
وأكدت هذه الدورة، مرة أخرى، المكانة التي بات يحتلها مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة كأحد أبرز المواعيد الثقافية الدولية، وفضاءً يواصل مدّ جسور الحوار بين الشعوب والثقافات عبر لغة الفن والموسيقى.
علاء البكري


