تحت سماء الدار البيضاء، أشرقت شمس اليوم الثالث لقمة النساء الحرفيات الإفريقيات مفعمة بوعود الجمال؛ ليتشابك إرث القارة في حدث “دار المعلمة” كخيوط حريرية مغزولة بعناية، وتتحول ردهات المعرض من فضاء للتخطيط الاستراتيجي الصارم إلى مسرح حي يفيض بسحر الذاكرة وجاذبية الإبداع المشترك.
ومنذ تباشير الصباح، فتح المعرض أبوابه لاستقبال الزوار، عارضا حكايات الصبر والصمود المنسوجة في قطع فنية نادرة أبدعتها صانعات القارة، وممهدا العبور نحو مساء استثنائي تتوجه فيه الأنظار إلى ذروة التمازج الفني.
لوحة العرض: خطوط المغزل تحاور جغرافيا القارة
ومع امتداد ظلال المساء، شهدت المنصة ولادة اللحظة الفنية الأكثر ترقبا، حيث تهادت عارضات الأزياء في عرض باهر للقفطان الخاص بـ “دار لمعلمة”.

وحملت هذه الاحتفالية البصرية بصمة التوجيه الفني للمصمم العالمي، والمدير الفني لشبكة الصانعات التقليديات بالمغرب – دار لمعلمة، إريك تيبوش، تقدمتها عارضة الأزياء المتميزة مارين داو، في حين أضفى الإعلامي فرانك كلير بإدارته وتنشيطه المتميز ألقاً خاصاً على تفاصيل العرض، وتكاملت هذه اللوحة الإبداعية مع فقرات موسيقى حية أحياها الرايس تيجاني ولينا لينز، لتلتقي فخامة القفطان المغربي بعمق الروح الإفريقية في تناغم يسلب الألباب.

وفي هذا السياق، أعربت مارين داو عن فخرها واعتزازها بالمشاركة في هذا الحدث، مؤكدة في تصريح خصت به مجلة “فرح”، أن تواجدها اليوم يمثل شرفا كبيرا وسعادة غامرة، لا سيما بعد سنوات طويلة قضتها في الخارج وتنقلت خلالها بين نيويورك وباريس، وتألقت في عروض كبرى لدور أزياء عالمية مثل “إيف سان لوران” و”كريستيان ديور” و”جيفنشي”.

واعتبرت عارضة الأزياء المتميزة أن المحطة الحالية في “دار المعلمة” إلى جانب المصمم إريك تيبوش تحمل رسالة نبيلة للاحتفاء بالنساء الحرفيات، مبرزة رغبتها القوية في نقل وتحويل تلك الخبرات والطاقة الإيجابية التي اكتسبتها في كبريات دور الموضة العالمية إلى “أخواتها في القارة السمراء”.

كما أشادت بالتنوع الثقافي الحيوي الذي يشهده الملتقى، لافتة إلى أنه بعدما كان المغرب منفردا في هذا المجال قبل عشر سنوات، باتت المنصة اليوم تجمع صانعات ملهمات من السنغال، وبنين، وغانا، وساحل العاج، لتختتم حديثها بهتاف فخور: “تحيا إفريقيا مهد البشرية”، موجهة تحية شكر خاصة لرئيسة الشبكة فوزية طالوت المكناسي على قدرتها الاستثنائية في توليد هذه الطاقة والنهوض بالمرأة الحرفية الإفريقية.
أما إريك تيبوش، المصمم العالمي والمدير الفني لدار المعلمة، فقد بدا متأثرا بما انتهت إليه الأمسية، واصفا، في حديثه لمجلة “فرح”، هذا العرض بأنه لحظة إنسانية وفنية امتزجت فيها الثقافات والخلفيات القادمة من مختلف البلدان الإفريقية في لوحة واحدة نابضة بالألوان والشغف.
وأوضح أن هذا التلاقي كان رهانا أساسيا منذ بداية التحضير للحدث، بهدف إبراز ثراء القارة وتنوعها الثقافي في عرض واحد.
وأضاف أن التفاعل الجماهيري فاق كل التوقعات، قائلا: “سمعت تصفيقاً حارا ومتواصلا، وكانت الفتيات في غاية السعادة، وأعتقد أن الحضور كان مبهورا تماما”.

واستحضر تيبوش اللحظات الأولى لانطلاق العارضات فوق المنصة، معتبرا أن أجمل ما حملته هذه الأمسية تجسد في الابتسامات التي ارتسمت على وجوه الحرفيات، ونظرات الدهشة التي أشرقت في أعينهن، وكلمات الشكر والامتنان التي تلقاها عقب إسدال الستار.
وختم حديثه بإشادة لافتة عكست حجم إعجابه بالمستوى الذي بلغه العرض، بالقول: “أعتقد أن هذا العرض كان أفضل حتى من عروض الأزياء في باريس”.
أهازيج التواصل: شهادات العطاء ونبض الموروث الشعبي
وجاءت لحظة التتويج محملة بعبق الاعتراف، حيث جرى تسليم شهادات التقدير والمشاركة للحرفيات اللواتي يمسكن بزمام المبادرة وصون الهوية، أعقبها استعراض التوصيات التوجيهية الكفيلة برسم مسارات غد أفضل للصناعة التقليدية الإفريقية وتيسير عبورها نحو الأسواق العالمية.

واختتمت الأمسية على إيقاعات الموسيقى الشعبية المغربية، الأمر الذي خلق جوا دافئا من التناغم والإنصات المتبادل بين الصانعات المغربيات ونظيراتها من الصانعات الإفريقيات؛ فامتزجت الزغاريد بالأهازيج، واحتفت القارة بوحدتها الإنسانية الثرية في عرس ثقافي بهيج، يمهد بكل ثقة لإسدال الستار رسميا على فعاليات هذا الملتقى يوم غد الأحد.
موفد (فرح): علاء البكري



