توقعات شركة بحجم هواوي الصادمة بشأن انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي
بقلم: فوزية طالوت مكناسي
على مدى عقود متتالية، ظلت التطورات التكنولوجية تعدنا بتسهيل حياتنا، وتحسين أدائنا، وتوسيع آفاق المعرفة الإنسانية.
ومع ذلك، تتوارى خلف كل ثورة تكنولوجية تساؤلات جوهرية: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يتنازل عن سلطة اتخاذ القرار دون أن يفقد جزءاً من إنسانيته؟
يأخذ هذا التساؤل اليوم بعداً جديداً في ضوء التوقعات التي كشفت عنها شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة “هواوي”. فوفقاً لتقديراتها، قد ينشط نحو 900 مليار وكيل من وكلاء الذكاء الاصطناعي عبر العالم بحلول عام 2035.
رقم يدعو للدوار، إذ يمثل ما يقرب من مئة ضعف عدد سكان العالم الحاليين. وخلف هذه الإحصائية المذهلة، يرتسم واقع يستحق أن يُدرس بتمعّن ووضوح: واقع يعيش فيه عالم تتفاعل فيه بصفة مستمرة مليارات الكيانات الرقمية المستقلة مع الأفراد، والشركات، والإدارات، والبنيات التحتية.
بالنسبة لشركة “هواوي”، يشكل هذا التطور خطوة طبيعية نحو ما تطلق عليه “العالم الذكي”. أما بالنسبة للعديد من المراقبين، فهو يطرح قبل كل شيء تساؤلاً مصيرياً: أي مساحة ستتبقى للإرادة الحرة عندما تصبح الأجهزة والبرمجيات الذكية قادرة على توقع احتياجاتنا، وتوجيه سلوكياتنا، بل واتخاذ القرارات نيابة عنا في بعض الأحيان؟
حضور خفي، ولكنه دائم
على عكس البرمجيات التقليدية، لم يعد وكلاء الذكاء الاصطناعي الجدد يقتصرون على تنفيذ الأوامر فحسب؛ بل أصبحوا يلاحظون بيئتهم، ويحللون البيانات، ويتعلمون، ويفكرون، ويتخذون المبادرات، ويسخرون أدوات متنوعة لتحقيق أهدافهم.
وبعبارة أخرى، يتحول هؤلاء بالتدريج إلى فاعلين مستقلين في حياتنا اليومية.
ففي الغد، سيكون بمقدور الوكيل الرقمي تنظيم رحلة، أو التفاوض على عملية شراء، أو إدارة محفظة مالية، أو انتقاء المعلومات التي يراها مناسبة للمستخدم، بل وحتى اقتراح خيارات مهنية أو تدريبية أو استهلاكية.
للوهلة الأولى، يبدو الكسب في الوقت هائلاً. ولكن مع تفويض القرارات يوماً بعد يوم، يبرز سؤال آخر: هل يغامر الإنسان بفقدان عادة اتخاذ القرار بمفرده؟
إغراء الراحة الرقمية
ويثبت التاريخ أن كل تقدم تكنولوجي غيّر بعض القدرات البشرية؛ فالآلة الحاسبة قللت من استخدام الحساب الذهني، وأنظمة التحديد الجغرافي (GPS) غيّرت علاقتنا بالتوجه والمكان، ومحركات البحث بدّلت طريقة حفظنا للمعلومات.
غير أن الذكاء الاصطناعي يتجاوز ذلك ليصل إلى مرحلة إضافية تمس آليات التفكير والتحليل والإدراك مباشرة.
فعندما تغدو الأنظمة قادرة على تقديم المشورة لنا باستمرار، وتوقع تطلعاتنا، وتبسيط كل قرار، يصبح الخيط الفاصل بين “المساعدة” و”التبعية” دقيقاً وحرجاً للغاية.
إن الخطر هنا لا يكمن بالضرورة في سيطرة قاسية أو هيمنة عنيفة للآلات، بل قد يأتي بشكل أكثر دهاءً: شكلٌ من أشكال التخلي التدريجي عن التفكير، والتحليل، والشك، واتخاذ القرار.
الذكاء الاصطناعي في قلب العالم الواقعي
تتوقع “هواوي” أيضا أن هؤلاء الوكلاء سيولّدون أكثر من 90% من الحركة العالمية لرموز الذكاء الاصطناعي (AI tokens)، وهو مؤشر على هيمنتهم المستقبلية على البنيات التحتية الرقمية.
بل أكثر من ذلك، لن تظل هذه الأنظمة حبيسة الشاشات؛ بل ستُدمج في المركبات، والمعدات الصناعية، والأجهزة المتصلة، والشبكات الحضرية، والخدمات العمومية. وهكذا سيغادر الذكاء الاصطناعي العالم الافتراضي ليتغلغل في بيئتنا المادية.
يقرّب هذا التطور البشرية من تخطي حدود تكنولوجية جديدة: حدود منظومات تصبح فيها التفاعلات بين البشر والآلات دائمة وغير قابلة للتمييز في بعض الأحيان.
ومع ازدياد قوة الذكاء الاصطناعي، لن يعود السؤال هو معرفة ما يستطيع فعله فحسب، بل إن السؤال الحقيقي والعميق هو: ما الذي سنختاره نحن لنقوم به بأنفسنا؟ ولعل المسؤولية الكبرى في عصرنا هذا لا تكمن فقط في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قوة وكفاءة، بل في الحفاظ على ذكاء بشري قادر على أن يظل حراً، مستقلاً، وقادراً على الاختيار.


