علاء البكري
في غزة، تبدو الحياة أثقل من أن تحمل يوما عاديا…
الشوارع التي كانت تعرف خطى أهلها، والبيوت التي كانت تحفظ أصواتهم، والأماكن التي صنعت تفاصيل يومهم، تحمل اليوم آثار حرب خلفت كثيرا من الغياب.
وسط هذا المشهد، تأتي السينما في محاولة للحفاظ على خيط رفيع يصل الإنسان بالحياة، وتحفظ للحكاية مكانا وسط واقع أثقلته الحرب والنزوح والفقد.
من المغرب، تحمل المخرجة مونية الكومي فيلمها الوثائقي الطويل «رزق من ورد» إلى الدورة الثانية لمهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، المقرر تنظيمها من 26 إلى 31 أكتوبر المقبل، حيث يشارك العمل ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة.
غزة تفتح شاشتها
وتقام الدورة الثانية تحت شعار «نساء يصنعن الحياة من الموت»، في موعد سينمائي يقام داخل غزة، في ظروف إنسانية قاسية.
وبحسب إدارة المهرجان، ستجرى فعاليات الدورة بين خيام النازحين، لتصبح الشاشة جزءا من المكان، وتلتقي الأفلام بوجوه تعيش يوميا تفاصيل الحرب وآثارها.
هنا، لا تنفصل السينما عن الواقع المحيط بها. فالمهرجان يحاول أن يحافظ على مساحة للفن والذاكرة، فيما يواجه السكان واقعا أثقلته الخسائر والدمار والنزوح.
وسط هذه الظروف، يصل فيلم مونية الكومي من المغرب، حاملا حكاية مختلفة عن الماء والحياة، لكنها تلتقي مع غزة في قيمة ما يعنيه فقدان أبسط مقومات العيش.
«رزق من ورد»: حين يصبح الماء حكاية
ينقل الفيلم الوثائقي الطويل «رزق من ورد» معاناة سكان منطقة بإقليم بولمان مع ندرة المياه، من خلال شهادات مؤثرة تروي جانبا من البحث اليومي عن هذه المادة الحيوية.
واختارت مونية الكومي موضوع الماء باعتباره قضية تتجاوز حدود البيئة لتصل إلى تفاصيل الحياة نفسها.
تقترب الكاميرا من السكان، تنصت إلى حكاياتهم، وترصد معاناتهم في منطقة أصبح الوصول إلى الماء فيها جزءا من الكفاح اليومي.
وتمنح هذه الشهادات للفيلم بعدا إنسانيا واضحا؛ فالماء لا يظهر باعتباره رقما أو موردا طبيعيا فقط، وإنما باعتباره حاجة تمس حياة الناس وكرامتهم ومستقبلهم.
ويحمل الفيلم أيضا وعيا بأهمية الجهود المشتركة لمواجهة ندرة المياه في المغرب، من خلال مساهمة الحكومة والجمعيات ومختلف الفاعلين، ومن بينهم الفن الذي يستطيع تحويل القضايا الاجتماعية والبيئية إلى حكايات تصل إلى الجمهور.
من بولمان إلى غزة
منطقة بإقليم بولمان كانت مسرحا لحكايات «رزق من ورد»، وغزة ستكون محطة أخرى لهذه الحكاية المغربية.
هناك، يتغير المكان وتبقى قيمة الماء حاضرة في خلفية المشهد. ففي مدينة دمرتها الحرب، تصبح الاحتياجات الأساسية أكثر ارتباطا باليومي والإنساني، ويكتسب الحديث عن الماء والحياة معنى أثقل من مجرد موضوع وثائقي.
وترافق الكومي، من خلال فيلمها، النقاش المغربي حول مواجهة ندرة المياه والتحولات المناخية وآثارها، وهي قضايا حظيت باهتمام رسمي كبير، ضمن برامج تشمل تعبئة الموارد المائية وبناء السدود وتحلية مياه البحر وغيرها من المشاريع المرتبطة بالأمن المائي.
بهذا المعنى، لا يصل «رزق من ورد» إلى غزة كفيلم عن الماء فقط. يصل كحكاية عن الإنسان حين يصبح الحصول على مورد أساسي جزءا من يومه، وعن المجتمعات التي تبحث عن وسائل للحفاظ على الحياة في ظروف مختلفة.

حضور مغربي في غزة
ولا تأتي مونية الكومي وحدها إلى الدورة الثانية؛ إذ يضم الحضور المغربي أربعة أفلام موزعة على ثلاث مسابقات.
إلى جانب «رزق من ورد»، تشارك سلوى القوني بفيلمها الروائي الطويل «الجرح»، فيما يحضر بلال طويل بفيلم «حياة»، وصدوق يونس بفيلم «كلثوم عروس مقابل رهن» ضمن مسابقة الأفلام الروائية القصيرة.
ويمنح هذا الحضور للسينما المغربية مساحة داخل المهرجان، فيما يحتفظ فيلم الكومي بمساره الخاص، من خلال موضوعه المرتبط بالماء والحياة، ووصوله إلى جمهور فلسطيني يعيش ظروفا استثنائية.
حين تعبر الحكاية المسافة
قد تبدو المسافة بين منطقة بإقليم بولمان وقطاع غزة بعيدة، لكن الحكايات الإنسانية قادرة على اختصارها.
في «رزق من ورد»، بحث سكان عن الماء كي تستمر حياتهم. وفي غزة، يحاول الناس وسط الحرب والنزوح والفقد أن يتمسكوا بما تبقى من تفاصيل الحياة.
لهذا تحمل مشاركة مونية الكومي معنى يتجاوز حضور اسم مغربي في قائمة مهرجان.
ويحمل فيلمها رحلة من المغرب إلى غزة، من حكايات سكان يتحدثون عن ندرة الماء إلى مدينة تحاول نساؤها، كما يقول شعار الدورة، أن يصنعن الحياة وسط الموت.


