انتخابات 23 شتنبر 2026: إشارة الصناديق، تحدي الثقة ومتطلبات المواطنة

- Advertisement -

بقلم: فوزية طالوت المكناسي

غداة الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر الجاري، أصبحت النتائج معروفة، والتوازنات البرلمانية واضحة، وغدت الأغلبية القادمة تتصدر النقاش العام.

ومع ذلك، وبغض النظر عن توزيع المقاعد وحسابات التحالفات، ينبغي طرح سؤال جوهري: ماذا تقول لنا هذه الانتخابات فعليا عن حالة ديمقراطيتنا وعن العلاقة بين المواطنين والحياة السياسية؟

بالنسبة لشخص كرّس جزءا كبيرا من مساره للعمل الميداني، وتمكين المرأة، وتثمين التراث الحي والالتزام الجمعوي، لا يمكن اختزال هذا الاقتراع في مجرد عملية حسابية. إنه يشكل، قبل كل شيء، رسالة موجهة إلى الطبقة السياسية برمّتها.

إن الدرس الأول لهذه الانتخابات يكمن في انخفاض مستوى المشاركة الملحوظ في العديد من مدن المملكة. بطبيعة الحال، عبّر الناخبون الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع عن خيارهم السيادي، ويجب احترام النتائج. لكن هناك واقع آخر يفرض نفسه.

فئة واسعة من المواطنين اختارت عدم التصويت.

لا يمكن تفسير هذا العزوف بأنه مجرد لامبالاة، بل يعكس في كثير من الأحيان مسافة متزايدة بين الانشغالات اليومية للمواطنين والحلول المقترحة عليهم.

وأمام الصعوبات الاقتصادية، وغلاء المعيشة، والتطلعات المتعلقة بالتشغيل والتعليم والصحة، يبدو أن العديد من المغاربة لم يعودوا يرون في التصويت وسيلة فعالة بما يكفي لتغيير واقعهم اليومي.

ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمعرفة من فاز في الانتخابات، بل أيضا بمعرفة لماذا فضّل هذا القدر الكبير من المواطنين البقاء خارج العملية الانتخابية. وهذا التساؤل يعني جميع الهيئات السياسية دون استثناء.

كما تستحق الإشارة القادمة من المدن الكبرى اهتماماً خاصاً. ففي العديد من المراكز الحضرية، ظلت التعبئة محدودة رغم أهمية الرهانات. والحال أن المدن تجمع الطلبة، والأطر، والمقاولين، والخريجين، وجزءا كبيرا من الطبقات الوسطى، وتشكل غالبا مختبرا حقيقيا للرأي العام. لذا فإن ضعف انخراطها يستدعي تحليلاً يتسم بالوضوح والشفافية.

ويظل وضع الشباب أكثر إثارة للقلق. فالشباب المغربي اليوم أكثر تعليما وتواصلا وانفتاحا على العالم من أي وقت مضى. وهم يحملون تطلعات مشروعة في مجالات التشغيل، والارتقاء الاجتماعي، والسكن، والمشاركة المواطنية، والاعتراف بكفاءاتهم. ومع ذلك، يبدو أن جزءا كبيرا منهم لم يعد يجد نفسه في العرض السياسي الحالي.

وعندما يتوقف الشباب عن الإيمان بقدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعاتهم، فإن عقد الثقة بين الجيل الجديد والمسؤولين العموميين يتزعزع برمّته. وهذا الواقع ينبغي أن يشكل أحد الانشغالات الرئيسية للولاية التشريعية الجديدة.

ومن دروس هذا الاقتراع أيضا بروز أهمية الورقة البيضاء. فغالبا ما تُعتبر مجرد تفصيل إحصائي، لكنها تشكل في الواقع تعبيرا سياسيا قائما بحد ذاته. إن المواطن الذي يصوت بورقة بيضاء لا يرفض الديمقراطية، بل يختار المشاركة مع التعبير عن عدم رضاه تجاه الخيارات المقترحة عليه. وراء كل ورقة بيضاء يوجد ناخب يواصل الإيمان بالمؤسسات، لكنه ينتظر المزيد من المصداقية، والقرب، والنتائج. وهنا أيضا، تستحق الرسالة أن تُسمع بكل جدية.

لهذا السبب يفرض هذا السؤال نفسه: من الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات؟

لا شك أن الصناديق حسمت هوية الفائزين وفقاً للقواعد الديمقراطية، ولا يمكن التشكيك في مشروعيتهم المؤسسية. ولكن عندما تظل نسبة العزوف مرتفعة، وعندما تضعف مشاركة الشباب، وتتزايد الأوراق البيضاء، فإن مفهوم الفوز نفسه يتطلب تفكيراً أكثر عمقاً. ألا ينبغي أن يكون الفوز الحقيقي هو استعادة الثقة؟ ألا ينبغي أن يُقاس مدى النجاح بالقدرة على إعادة المصالحة بين المواطنين والعمل العمومي، وتعبئة ما هو أبعد بكثير من دائرة الناخبين المقتنعين أصلا؟

إن هذه الأسئلة تتجاوز مصالح الأحزاب السياسية، وتخص مستقبل المشاركة المواطنية في المغرب برمّتها. لقد حان وقت ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد صوّت المغاربة، أو امتنعوا، أو عبّروا عن عدم رضاهم عبر الورقة البيضاء، وجميعهم وجّهوا رسالة واحدة. لقد انتهى زمن الوعود وبدأ زمن النتائج.

إن تحديات التشغيل، والتعليم، والصحة، والسيادة الاقتصادية، والثقافة، والتنمية الترابية تتطلب إجابات ملموسة، وقابلة للقياس، ومرئية. إن ثقة المواطنين لن تُبنى من خلال الخطابات، بل عبر نجاعة وكفاءة العمل العمومي.

إن رسالة 23 شتنبر 2026 تبدو في النهاية واضحة جدا: فاستقرار المغرب يظل قوة ثمينة، ولكن يجب تغذيته باستمرار بالعدالة الاجتماعية، والإنصات، والقرب، وتثمين الرأسمال البشري.

وعلينا جميعا، من مسؤولين عموميين، وأحزاب سياسية، ومجتمع مدني، ووسائل إعلام، ومواطنين ملتزمين، أن نعمل على ألا يكون هذا الاقتراع مجرد نهاية لحملة انتخابية، بل نقطة انطلاق لميثاق ثقة جديد بين المؤسسات والمواطنين. ففي النهاية، قد لا يكون السؤال الأساسي هو معرفة من فاز في الانتخابات، بل كيف نعيد للمغاربة، وخاصة الشباب، الرغبة في المشاركة الكاملة في بناء المستقبل الجماعي.