السعادة أم لحظات سعادة؟

- Advertisement -

بقلم: فوزية طالوت مكناسي

في مساء عابر، وبين ثنايا حديث مع صديق صحفي، انبثقت فكرة «وزير السعادة». ابتسم وقال لي، كمن يطلق سهما من الحقيقة: «السعادة لا وجود لها، هناك فقط لحظات من السعادة». عبارة تهزّ القلب، وتترك وراءها صدىً من الأسئلة.

السعادة: حلم جماعي أم سراب سياسي؟

منذ أرسطو و«اليوضايمونيا»، والفلاسفة يبحثون عن السعادة كحالة دائمة، كحياة مكتملة. واليوم، صارت بعض الحكومات تنصّب وزارات للسعادة، وتبتكر مؤشرات للرفاه.

لكن هل يمكن حقا أن نقيس ابتسامة؟ هل يمكن أن نحول عناقا أو دمعة فرح إلى أرقام جامدة؟ الحقيقة أن ما نعيشه هو لحظات: نجاح يضيء القلب، ضحكة طفل، غروب شمس يوقف الزمن. هذه الشذرات العابرة هي التي تمنح الكلمة معنى، أكثر من كل النظريات.

لحظات تضيء الطريق

من لم يعرف رعشة اللحظة الكاملة؟ فنجان قهوة مع صديق، موسيقى ترفع الروح، لقاء غير متوقع يبدّل مسار يومنا. لحظات كفقاعات ضوء في نهر الحياة. لكنها تتلاشى سريعا… فهل هي مجرد أفراح عابرة؟ أم هي اللبنات التي تبني صرح السعادة؟ في زمن سريع، مشبع بالآلة والرقمنة، ربما السعادة الدائمة وهم. وربما الحكمة أن نتعلم كيف نقطف هذه الزهور الصغيرة على حافة الطريق.

فسيفساء من الشظايا

السعادة ليست حالة جامدة، بل نظرة، موقف، طريقة في العيش. كل ابتسامة حجر كريم في بناء هشّ. كل لحظة فرح خيط من نور في نسيج العمر. فهل السعادة هدف نطارده؟ أم هي طريقة في السير، في النظر، في التنفس؟ ربما علينا أن نتوقف عن مطاردة المطلق، وأن نتعلم كيف نزرع ونحتفي باللحظات.

لمسة من الرومانسية

السعادة قد تكون أيضا قبلة مسروقة في زحمة النهار، أو يد تُمسك بنا في لحظة ضعف، أو عينان تضيئان كنجمتين في ليل طويل. قد تكون رسالة قصيرة تصل فجأة، أو كلمة حب تُقال في غير موعدها.

هذه التفاصيل الصغيرة، التي تبدو عابرة، هي في الحقيقة ما ينسج خيوط الدفء حول قلوبنا. فالحب نفسه ليس وعدا أبديا، بل لحظات من حضور، من قرب، من عاطفة تتجدد. وربما السعادة ليست سوى هذا الامتزاج بين الحب والدهشة، بين الحلم والواقع، بين القلب والعقل.

الحكمة أن نقبل أن السعادة هي بحث وشذرات، هي فسيفساء من اللحظات. أن ندرك أن كل لحظة سعيدة هي جوهرة في تاج الحياة. لكن في النهاية… هل السعادة موجودة حقا؟ أم أنها مجرد كلمة نركض خلفها، دون أن نمسك بها أبداً؟

وفي النهاية… السعادة ليست وعدا مؤجلا، بل هي شرارة صغيرة تضيء القلب ثم تختفي، تاركة وراءها أثرها العميق. فلنمشِ في دروب الحياة ونحن نحمل في جيوبنا تلك الشرارات، نقتات منها، ونبني بها فسيفساء وجودنا.