يمنح معرض «السحر»، الذي يحتضنه متحف مدينة العلوم والصناعة في باريس إلى غاية يوليوز 2027، الزوار فرصة لاكتشاف الحدود الملتبسة بين الخدع السحرية والمعرفة العلمية، من خلال تجارب تفاعلية تكشف دور الإدراك البصري والعمليات الذهنية في صناعة الأوهام.
ويستعرض المعرض مجموعة من الخدع التي تحاكي تحريك الأجسام في الهواء والانتقال الآني وقراءة الأفكار، إلى جانب تقنيات الخداع البصري، بمشاركة فنانين متخصصين في السحر وباحثين في العلوم المعرفية.
حين تتحول المعرفة العلمية إلى خدعة سحرية
ويرى الساحر والخبير في الخدع الذهنية ريمي بيرتييه، أحد المشاركين في المعرض، أن السحر يستفيد من الإمكانات التي تتيحها العلوم والتكنولوجيا، موضحا أن عنصر المفاجأة يتولد عندما يشاهد الجمهور أمورا تبدو مناقضة للقواعد العلمية التي يعرفها.
ويهدف المعرض، بحسب منظميه، إلى تسليط الضوء على الآليات الإدراكية والانحيازات الذهنية التي يستغلها السحرة للتأثير في المتفرجين، دون التركيز على كشف أسرار الخدع نفسها.
ولتحقيق ذلك، استعانت مدينة العلوم والصناعة بشركات متخصصة في العروض السحرية وباحثين في علوم الأعصاب، بشراكة مع مركز أبحاث علوم الأعصاب في ليون، من أجل تقديم تجارب توضح التداخل بين الابتكار التقني والإيهام البصري.
ويشير بيرتييه، مؤسس فرقة «ستوبيفاي»، إلى أن العاملين في مجال السحر يواكبون الابتكارات التكنولوجية الجديدة بسرعة، بحثا عن إمكانات يمكن توظيفها في تطوير عروضهم.
علماء انشغلوا بالظواهر الخارقة
وتمتد الصلة بين السحر والعلوم إلى مراحل تاريخية سابقة، حين اهتم علماء ومفكرون بظواهر خارقة للطبيعة، وسعوا إلى استكشافها وفهمها.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا الاهتمام العالم الفرنسي بيير كوري، الذي تابع جلسات للوسيطة الروحية الإيطالية أوزابيا بالادينو، المعروفة بعروض تضمنت ادعاءات بتحريك الأجسام ورفعها عن الأرض.
وشارك في بعض هذه الجلسات عدد من العلماء والمفكرين، من بينهم ماري كوري وهنري برغسون وبول لانجفان، في فترة شهدت تطورات علمية بارزة، من بينها اكتشاف الأشعة السينية والراديوم وظهور السينما.
تجارب فنية تتحدى الإدراك
ويجمع المعرض أعمالا لفنانين تلقوا تكوينا علميا قبل دخول عالم السحر، من بينهم كريستيان دوليكلوز، المهندس السابق الذي ابتكر عملا فنيا يوحي ببقاء قطرات الماء معلقة في الهواء.
وأوضح دوليكلوز أنه اختار الانتقال إلى المجال الفني بعدما لاحظ محدودية مساحة الإبداع في بعض التكوينات العلمية.
ويقدم المهندس والفنان أوليفييه ميرليه، بدوره، جهازا يجعل كرة تبدو وكأنها تتحرك في الهواء دون الخضوع للجاذبية.
ويعتبر أن البحث العلمي يسعى إلى تفسير الظواهر، لكنه يفتح باستمرار أبوابا لأسئلة لم تتوصل العلوم إلى إجابات كاملة عنها.
قراءة الأفكار وفهم حيل الدماغ
ويخصص المعرض مساحة للسحر الذهني، الذي يعتمد على تقنيات رياضية ونفسية وإدراكية لإقناع الجمهور بامتلاك المؤدي قدرات تبدو خارقة.
ويشرح الساحر ماكسيم شوخت أن هذا الفن يستند إلى فهم طريقة عمل الدماغ والانحيازات الإدراكية، إلى جانب توظيف تفسيرات نفسية وأخرى شبه علمية تجعل الخدع أكثر إقناعا.
ويقدم ريمي بيرتييه كذلك خدعة يظهر فيها وكأنه يدفع مسمارا داخل أنفه باستخدام مطرقة، مشيرا إلى أن تنفيذها يتطلب معرفة دقيقة بالتشريح، ومحذرا من مخاطر تقليدها.
ويعيد المعرض طرح العلاقة بين ما تراه العين وما يدركه العقل، مبرزا أن نجاح الخدعة يرتبط بمهارة المؤدي واستعداد المتفرج للانخراط في الوهم، حتى عندما يدرك أن المشهد الذي يراه لا يعكس حقيقة ما يحدث أمامه.
علاء البكري



