المغرب بحاجة إلى صحافة تلائم طموحاته

- Advertisement -

بقلم: فوزية طالوت المكناسي

من أجل نهضة وطنية للإعلام تقوم على الإخبار والمساءلة والتحليل ومواكبة التحولات الكبرى للمملكة

تمر على الأمم محطات فارقة في تاريخها، لا يمكن للصحافة فيها أن تنأى بنفسها إلى مقاعد المتفرجين، ولا أن يقتصر دورها على سرد الوقائع ونقل البلاغات الرسمية. إنها اللحظات التي تفرض عليها الارتقاء، وتقدير حجم الرهانات، ومساءلة مسؤوليتها التاريخية.

يقف المغرب اليوم عند منعطف حاسم من تاريخه المعاصر، إذ تستدعي استحقاقاته المؤسساتية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية صحافة أكثر رصانة ومهنية ووعيا بمسؤوليتها. وهنا يطرح سؤال ملح: هل يرقى مشهدنا الإعلامي الحالي حقا إلى مستوى طموحات المملكة وتطلعات شعبها؟

محطة مؤسساتية تستوجب وقفة إعلامية

دشن المغرب مرحلة رمزية في مساره السياسي بتولي السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، لتكون أول امرأة تضطلع بهذه المسؤولية الرفيعة في تاريخ المملكة.

ويحمل هذا التحول التاريخي آمالا عريضة، لا سيما لدى النساء المغربيات اللواتي يطمحن إلى أن تنعكس حقوقهن وانشغالاتهن وإسهاماتهن في التنمية بشكل ملموس على السياسات العمومية. وأمام هذه الحكومة مسؤولية جسيمة تفرض عليها النجاح، فالرهانات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية أعظم من أن تقابل بأنصاف الحلول أو بسياسات لا تستجيب لانتظارات الشعب العريضة.

وبعيدا عن رمزية الحدث، ينشد المواطن النتائج والإصلاحات والوفاء بالالتزامات. ومن ثم وجب على الصحافة مواكبة العمل الحكومي، ومقارنة الوعود بالمنجزات، وإيصال صوت المواطن، وقياس أثر السياسات العمومية، في تقييم صارم يصب في مصلحة الوطن أولا وأخيرا.

أمة تسير نحو الأمام، وإعلام مطالب بالسمو

إن أفق تنظيم كأس العالم 2030، بالاشتراك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، يتجاوز بكثير مجرد حدث رياضي عابر. فهو تحد يمس صورة المملكة وبنيتها التحتية وجاذبيتها واقتصادها وإشعاعها الدولي. وتأتي زيارات التقييم التي تقوم بها الفيفا للمنشآت المرشحة خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2026 لتؤكد أن هذا الطموح قد دخل مرحلته العملية.

لكن من يبسط للمواطن طبيعة هذه الاستثمارات وعائداتها الاقتصادية وتحديات النقل والمتطلبات البيئية وتأثيراتها على واقعه المعيشي اليومي؟ ومن يفسح المجال لآراء الخبراء والشباب والجماعات الترابية؟ لا ينبغي أن تنحصر كأس العالم في العناوين الرياضية وصور الأوراش الكبرى، بل يجب أن تصبح مادة خصبة للصحافة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتطلب الصرامة والعمق ذاتهما عند تناول الدبلوماسية المغربية وملف الصحراء. فانتهاء مهمة بعثة «المينورسو» في 31 أكتوبر 2026 دون اعتماد قرار أممي يمدد ولايتها يشكل حدثا بارزا يستدعي قراءات دقيقة تلم بسياقات الأمم المتحدة وآلياتها. ولا تكفي فيه صياغة ردود الأفعال، بل يتطلب الأمر إضاءة الحقائق وتنوير الرأي العام بالخلفيات والتبعات الاستراتيجية.

الصحافة المسؤولة: أن تساءل وتساءل

نحن بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة الاعتبار لصحافة تسائِلُ وتسائل نفسها في آن واحد. تسائل القرارات العمومية والفوارق المجالية والتحولات الاجتماعية، وتسائل كذلك ممارساتها المهنية ومصادرها واستقلاليتها وأخلاقياتها.

فالصحافة المسؤولة ليست منبرا للتشكي الدائم، ولا أداة للمجاملة، ولا ساحة للاستعراض الرقمي حيث تسبق السرعة التحقق. إنها ترتكز أساسا على حق المواطن في معلومة موثوقة، مؤطرة بسياقها، ومتاحة للجميع. وتفرض تمييزا حاسما بين الوقائع والآراء، وبين الخبر والتعليق، وبين التحقيق والشائعة.

وفي زمن تتدفق فيه الأخبار عبر المنصات الرقمية وتتغلغل فيه تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، تظل «المصداقية» أثمن رأسمال لأي مؤسسة إعلامية. ولن تحظى الصحافة بالثقة إن ضحت بالعمق في سبيل الإثارة والركض وراء نسب المشاهدة، بل عليها استعادة زمن الاستقصاء والتفسير والروبورتاج الميداني.

نهضة وطنية للارتقاء بالمنظومة الإعلامية

من الإجحاف إنكار كفاءات الصحفيين المغاربة وتضحياتهم، وهم يشتغلون غالبا في ظروف محفوفة بالصعاب. غير أن الأمانة تقتضي ملامسة مكامن الهشاشة في القطاع: من مظاهر التبعية وضعف التمويل المخصص للتحقيقات، إلى الخلط بين التواصل المؤسساتي والخبر الصحفي، وصولا إلى هوس «البوز» واللهاث وراء النقرات. وقد آن الأوان لفتح نقاش وطني يتجاوز المشكلات المادية المحضة، ليضع في صلب اهتمامه جودة المضمون والمسؤولية التحريرية والمهنية وثقة المواطن.

وتستوجب هذه النهضة المنشودة إطلاق أوراش أساسية متكاملة، بدءا بالارتقاء بجودة المعلومة عبر الاستثمار في صحافة العمق والتحقيق والتحليلات الاقتصادية والدبلوماسية والعلمية، بالتوازي مع مأسسة التكوين المستمر لمواكبة التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية وتطوير التخصصات. كما تقتضي جعل المسؤولية التحريرية في صلب الممارسة، بالتحري قبل النشر، واحترام التعددية وأخلاقيات المهنة، دون السقوط في فخ التسرع وعدم الدقة بدعوى السرعة، فضلا عن إعادة الاعتبار لصحافة القرب عبر الإنصات لجميع المغاربة في الحواضر والمناطق القروية وإبراز مبادراتهم.

وفي السياق ذاته، يتعين العمل على تعزيز موقع المرأة في الإعلام بإبراز عطاءاتها السياسية والاقتصادية وتمكينها من مراكز القرار والمسؤوليات التحريرية، مع دعم الاستقلالية من خلال آليات دعم عمومي شفافة وعادلة، تبنى على معايير موضوعية تحمي استقلالية التحرير وتصون كرامة المؤسسات الإعلامية. ولا يمكن لهذه الجهود أن تكتمل دون الانفتاح على الإشعاع الدولي، عبر صياغة محتوى إعلامي رصين يخاطب العالم بلغات متعددة، ليروي قصة المغرب بأبعادها الحقيقية وطموحاته المشروعة.

إن رفعة الأمم تقاس بنضج نقاشها العمومي، ورصانة إعلامها، وجسور الثقة الممتدة بين المواطن والمؤسسات. ومع اقتراب موعد 2030، سيحتاج المغرب إلى صحفيين قادرين على تفكيك التحولات، وإبراز النجاحات دون مواراة الإخفاقات. فالصحافة النقدية البناءة ليست خصما للوطن، بل رافعة من روافع استقراره وتنميته.

والمغرب، وهو يستعد لاستقبال العالم، مطالب بوقفة تأمل صادقة مع الذات. فقبل تشييد البنى التحتية، وجب إعداد العقول وصقل الكفاءات والسمو بالخطاب. ومن هنا نوجه الدعوة إلى نهضة وطنية حقيقية للصحافة المغربية: حراك مهني وفكري، قائم على روح المواطنة، يعيد للإعلام هيبته ودوره في تنوير المجتمع وإشعاع المملكة. نهضة لا تتوخى توحيد الأصوات، بل تمكين الأصوات التعددية، المسؤولة والملتزمة بالحقيقة، من أن يسمع صدى كلمتها.

إن المغرب بحاجة إلى صحافة تصنع الوعي بالتاريخ، لا صحافة تكتفي بمشاهدته أو نقل أحداثه. تلك حاجتنا اليوم، وتلك مسؤوليتنا تجاه الغد.