في دفاتر التحولات الهادئة التي لا تُكتب بضجيج، يبرز التعليم في المغرب كحكاية صبر امتدت لسنوات، تتقدم بخطى ثابتة نحو تقليص مسافة الانقطاع وإعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة.
في أحدث تقاريره، يقف اليونسكو عند هذه التجربة، ويرصد ملامح مسار طويل أعاد تشكيل الخريطة التعليمية وفتح أبواب المدرسة أمام آلاف التلاميذ.
مسار ممتد نحو تقليص الهدر المدرسي
وتحمل الأرقام نَفَس هذا التحول؛ منذ مطلع الألفية، انخفضت نسب عدم التمدرس بوتيرة منتظمة، لتتحول الفجوات الواسعة إلى مساحات أضيق. تراجع غياب التلاميذ في التعليم الإعدادي من مستويات مرتفعة إلى نسب محدودة، كما تقلصت أعداد الشباب خارج التعليم الثانوي بشكل لافت، لتقترب المؤشرات من نظيراتها في بلدان ذات دخل متوسط أعلى.
واستند هذا المسار إلى استمرارية واضحة في الجهود، وجعل المغرب ينتقل تدريجيًا نحو موقع يقارب المعايير الدولية في الولوج إلى التعليم.
بنية داعمة وفرص أوسع للتعلم
وخلف هذه النتائج، تتشكل شبكة من السياسات العمومية التي أعادت الاعتبار للمدرسة. توسعت البنيات التعليمية، وامتدت المدارس إلى مناطق كانت بعيدة عن الخدمات الأساسية، بينما ساهمت برامج الدعم الاجتماعي في تثبيت التلاميذ داخل الفصول.
وشكل برنامج “تيسير” أحد الأعمدة الداعمة لهذا التوجه، عبر تحويلات مالية خففت الأعباء عن الأسر، في وقت عززت فيه خدمات النقل والإيواء فرص التمدرس في الوسط القروي.
ومع حملات التحسيس ومواكبة الأسر، تراجع حضور الانقطاع عن الدراسة داخل المجتمع بشكل ملموس.
آليات جديدة لالتقاط إشارات الانقطاع
وامتد التحول إلى أدوات التتبع: اعتماد آليات للإنذار المبكر منح المنظومة التربوية قدرة أكبر على رصد التلاميذ المهددين بالانقطاع، والتدخل في الوقت المناسب.
وفي السياق ذاته، برزت برامج التربية غير النظامية كمسار يمنح فرصة ثانية لمن غادروا المدرسة، مع ربط أوثق بسوق الشغل ومسارات التكوين، ما فتح آفاقًا جديدة لإعادة الإدماج.
تحولات تمتد آثارها إلى المجتمع
ويكشف تراجع عدد غير المتمدرسين بنسبة كبيرة خلال العقدين الأخيرين عن أثر يتجاوز الأرقام، ليطال بنية المجتمع ذاته. تحولت المدرسة إلى فضاء للاندماج الاجتماعي وإعادة تشكيل المسارات الفردية، وأصبحت بوابة نحو فرص أوسع في التعلم والحياة.
في هذا الأفق، تتجلى التجربة المغربية كرحلة متواصلة نحو ترسيخ الحق في التعليم، رحلة تعيد رسم ملامح المستقبل بهدوء، وتمنح لكل مقعد دراسي معنى يمتد إلى المعرفة والكرامة.
تحرير: علاء البكري



