زينب فهمي:”رفيقة الطبيعة” التي كتبت الإنسان في تفاصيله الأولى

- Advertisement -

 

في ستينات المغرب، كانت الكتابة النسائية تخطو خطواتها الأولى وسط مجتمع يتغير ببطء. وداخل هذا المشهد، برز اسم زينب فهمي، المعروفة بلقب “رفيقة الطبيعة”، واحدةً من الأصوات التي منحت السرد النسائي ملامحه التأسيسية.

واستنشقت زينب النور أولى أنفاسها سنة 1941 بمدينة الدار البيضاء، في زمنٍ تشكلت فيه الأسئلة الكبرى مع بدايات المغرب المستقل؛ حيث اختارت منذ سنواتها الأولى طريق التعليم، فاشتغلت معلمة في المدارس الابتدائية قبل تولّيها إدارة مؤسسة تعليمية، في مسارٍ ظل ملتصقاً بعالم الطفولة والتربية.

من فضاء القسم إلى رحاب الصفحة

واتصلت الكتابة بحياتها اليومية اتصالاً وثيقاً؛ فبين أروقة القسم وضجيج المدينة، بدأت تنشر نصوصها في الصحف والمجلات موقعةً باسمها الأدبي “رفيقة الطبيعة”، وهو الاسم الحامل لحساسية خاصة تجاه الإنسان وعلاقته بالعالم.

ومثلت الكتابة لديها في تلك المرحلة امتداداً لأسئلة المجتمع؛ إذ حضرت القضايا الاجتماعية والإنسانية داخل نصوص قصيرة مكثفة، تلتقط تفاصيل الحياة اليومية بهدوء ورصانة.

انتماءٌ إلى لحظة أدبية حاسمة

مع نهاية الستينات، أصبحت زينب فهمي جزءاً أصيلاً من المشهد الثقافي المغربي الناشئ، فانضمت سنة 1968 إلى اتحاد كتاب المغرب، إلى جانب أسماء نسائية أسهمت في بناء ملامح الأدب الحديث.

ويضعها النقاد ضمن الجيل المؤسس فعلياً للشكل الإبداعي السردي والشعري في المغرب، حيث تحولت الكتابة لديها إلى وسيلة للتعبير عن قضايا وطنية واجتماعية وثقافية متداخلة.

الكتابةُ مساحةً للإنسان

وتتقدم التفاصيل الدقيقة في أعمالها على الأحداث الكبرى؛ فشخصياتها قريبة من الواقع، تعيش صمتها وتحمل أسئلتها دون صخب.

وتميل لغتها إلى الاقتصاد، تاركةً المجال مفتوحاً أمام القارئ لاستكمال المعنى. هذا الاختيار جعل نصوصها مرآة للحياة اليومية، حيث تتحول اللحظة العابرة إلى مادة سردية، ويصير المعتاد موضوعاً جديراً بالكتابة.

أعمالٌ رسخت حضورها الإبداعي

نشرت زينب فهمي مجموعات قصصية شكلت علامات فارقة في مسارها، من بينها: “رجل وامرأة” (1969)، “تحت القنطرة” (1976)، “ريح السموم” (1979).

وتعكس هذه الأعمال انشغالها العميق بالسرد القصير، وبالكتابة التي تقترب من الأبعاد البسيطة والعميقة للإنسان في آن واحد.

أثر ممتد في ذاكرة السرد النسائي

وترتبط تجربة زينب فهمي بمرحلة مفصلية في الأدب المغربي، وهي المرحلة التي بدأت فيها المرأة تكتب حضورها داخل النص، وتقتحم فضاء السرد فاعلاً أساسياً في تشكيل المعنى.

ويحضر اسمها ضمن جيل وضع القواعد الأولى للكتابة النسائية، فاتحاً المجال أمام تجارب لاحقة واصلت هذا الطريق.

وتتجلى ملامح كاتبة اختارت الاقتراب من الإنسان بصدق، وكتبت الواقع من داخله، في نصوص هادئة الظاهر، عميقة الأثر، تمنح القارئ مساحة واسعة لإعادة اكتشاف ذاته بين سطورها.

علاء البكري