ثمة حكايات لا تجد اكتمالها في الصمت، فتبحث عن خشبة مضاءة كي تُروى. وثمة تجارب تعبر العمر محمّلة بأسئلة الأمومة، وثقل الاختيارات، وما تتركه الحياة في القلب من ندوب خفيفة وأبواب مواربة.
من هذا الأفق تنطلق مسرحية “حياتي، تحدياتي وبناتي”، التي تحتضنها مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، مساء الخميس 21 ماي على الساعة السادسة والنصف، برواق ضفاف بالرباط.
والعمل من تأليف الفنانة نادية لمارتي والمخرج سعيد بن علي، وينسج خيوطه من السيرة الذاتية، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى مادة مسرحية نابضة، تستدعي تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من تعثرات صغيرة، ولحظات قوة صامتة، وذاكرة تواصل ترتيب نفسها فوق الخشبة.
امرأة واحدة، وأعمار كاملة تعبر الركح
تمضي نادية لمارتي وحدها فوق الركح في هذا العرض الفردي، وتتجسد عبر أدائها صور الأم، والمرأة، والإنسانة التي عبرت محطات مختلفة وهي تفتش عن توازن دقيق بين مسؤولية الأسرة، وتوق الذات إلى الامتلاء بمعناها الخاص.
ويتحرك العرض عبر حوارات داخلية، وتبدلات في الإيقاع والنبرة، واستدعاء لشخصيات وتجارب صنعت ملامح الرحلة.
ويتقدم السرد مثل ذاكرة تستعيد نفسها بهدوء، حاملاً لحظات الإخفاق والانتصارات الصغيرة التي صنعتها الأيام بصبر طويل، ويظل الحب الذي تكنّه لبناتها خيطاً خفياً يشد الحكاية إلى قلبها الإنساني.
ومن خلال هذا البناء المسرحي، تتقاطع التجربة الشخصية مع أسئلة أكثر اتساعاً، تمس علاقة المرأة بذاتها، وبالعالم المحيط بها، وبذلك القدر اليومي من الصمود الذي يرافق التجارب الإنسانية العميقة.
من بروكسيل إلى طنجة: جذور تمشي بين ضفتين
تعود أصول نادية لمارتي إلى مدينة طنجة، فيما رأت النور سنة 1981 بمدينة بروكسيل، حيث نشأت في بيئة متعددة الثقافات والانتماءات.
وتُقيم اليوم بمدينة أفليجيم، التابعة لمقاطعة برابانت الفلمنكية ببلجيكا، مع احتفاظها بعلاقة وجدانية متينة بالمغرب، بلد والدها
ومنذ سنوات الطفولة، وجدت في المسرح مساحة مبكرة للتعبير، فالتحقت بفرقة “شوكولا” المسرحية، وشاركت في عدد من الأعمال، ثم قادها التعاون مع المخرج سعيد بن علي إلى كتابة هذا العمل، الذي يضع التجربة الذاتية في قلب المغامرة الفنية.
رواق ضفاف: جسر يعبره مبدعو المهجر نحو الوطن
وفي تصريح خصّت به مجلة فرح، أوضحت فتيحة املوك، مديرة بنية الفن والثقافة والتواصل بمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، أن رواق ضفاف وُلد سنة 2016 بفكرة واضحة، تتمثل في منح المبدعين المغاربة المقيمين بالخارج فضاء يحتضن تجاربهم الفنية ويتيح لهم تقديم أعمالهم داخل المغرب.
وأضافت املوك أن الرواق احتضن، على امتداد السنوات الماضية، معارض فنية وإصدارات أدبية وعروضاً مسرحية، في سياق ثقافي يهدف إلى إبقاء الصلة حيّة بين مغاربة العالم ووطنهم الأم.
وتوقفت المتحدثة عند البعد الرمزي لتقديم مسرحية نادية لمارتي بالمغرب، مشيرة إلى أن الفنانة أبدت رغبة خاصة في عرض هذا العمل داخل بلد يحمل لها قيمة وجدانية عميقة، نظراً لارتباطها العاطفي بالمغرب، بلد والدها، وهو ما جعل المؤسسة ترحب بالمبادرة وتواكبها.
وترى مديرة بنية الفن والثقافة والتواصل أن مثل هذه الأعمال تضيف إلى الساحة الفنية المغربية تجارب جديدة، تحمل رؤى مختلفة وتستمد فرادتها من مسارات إنسانية وثقافية متباينة، بما يمنح المشهد الثقافي مزيداً من الغنى والتنوع.
حين تصبح الحياة مادة للفن
وتتحول الخشبة في “حياتي، تحدياتي وبناتي” إلى صفحة تُعاد فوقها كتابة جزء من العمر؛ عمر تشكل من اختيارات ومواجع صغيرة، ومن حب ظل يقاوم هشاشة الأيام.
وتتخذ السيرة هناك هيئة صوت يروي، وذاكرة تسترجع، وإنسانة تحاول أن تمنح لتجربتها معنى يُرى ويُسمع ويظل عالقا في وجدان المتلقي.
علاء البكري


