نوال صفنضلة: امرأة صعدت إلى السماء كي ترفع راية المغرب

- Advertisement -

 

في بعض الحكايات، يأتي المجد هادئا ويمشي على مهل، يحمل عنادا خفيا، ويختبئ داخل أيام طويلة من التدريب، والبرد، والأسئلة التي لا يسمعها أحد.

هناك، عند المسافات التي يضيق فيها الهواء، كتبت بطلة التسلق المغربية نوال صفنضلة اسمها بحروف من إرادة، حتى صار الوصول إلى القمم جزءا من سيرة امرأة اختارت أن تحاور المستحيل بلغتها الخاصة.

خلال الأسابيع الأخيرة، ارتبط اسم نوال صفنضلة بإنجاز استثنائي بعدما تمكنت من تسلق قمتي إيفيريست ولوتسي في رحلة واحدة، لتدخل سجل الرياضة المغربية من باب نادر يتطلب قدرة جسدية هائلة، وانضباطا صارما، وقوة داخلية تعرف كيف تواجه الخوف والتعب والعزلة.

قبل هذه اللحظة، كانت هناك طريق طويلة تشكلت ملامحها بعيدا عن الأضواء.

من عالم التواصل إلى لغة الجبال

قبل أن ترتبط صورتها بالثلوج والمرتفعات الشاهقة، اشتغلت نوال صفنضلة في مجال التواصل والاتصال المؤسساتي. كانت الحياة تمضي بإيقاع مهني مألوف، ثم ناداها حلم قديم من مكان بعيد؛ حلم يرتبط بالجبال، وبالمرتفعات التي تختبر حدود الإنسان، وتكشف ما يختبئ داخل النفس من قدرة على الاحتمال.

شهدت سنة 2019 منعطفا مهما في مسارها، حيث بدأت المتسلقة المغربية تنسج مشروعا شخصيا شديد الطموح يتجلى في الوصول إلى أعلى قمة في كل قارة ضمن تحدي “القمم السبع”، الذي يعد أحد أكثر التحديات الجبلية صعوبة على امتداد العالم.

ذلك الطريق احتاج إلى استعداد جسدي دائم، وتكاليف مرتفعة، وتضحيات يومية، إلى جانب صبر طويل على العزلة والبرد والمخاطر التي ترافق كل خطوة نحو الأعلى.

حين يصبح الارتفاع امتحانًا للإرادة

داخل هذا المسار، راكمت نوال صفنضلة تجارب عديدة عبر قمم عالمية مرهقة، من كليمنجارو في تنزانيا إلى إلبروس في روسيا، مرورا بأكونكاغوا في الأرجنتين، إلى جانب تسلقات متعددة داخل المغرب، حيث شكلت الجبال الأولى مدرسة للصبر والانضباط.

وشكلت سنة 2023 محطة فارقة في مسيرتها، بعدما أصبحت أول امرأة مغربية تبلغ قمة ماناسلو في النيبال، التي ترتفع إلى أكثر من ثمانية آلاف متر عن سطح البحر.

نوال صفنضلة

ومنح هذا الإنجاز اسم نوال صفنضلة حضورا أوسع داخل عالم التسلق، ورسخ مكانتها ضمن الأصوات الرياضية المغربية التي اختارت دروب التحديات الكبرى.

في تلك المرحلة، كانت ذاكرة المغرب حاضرة أيضا، إذ إن آثار زلزال الحوز ظلت تسكن وجدانها، وهو ما منح رحلتها بعدا إنسانيا عميقا، بعدما حملت معها، وسط الثلوج والمرتفعات، شعورا داخليا بالانتماء إلى وطن يعيش لحظات صعبة.

عند “منطقة الموت” يولد المجد

ثم جاءت اللحظة التي حبست الأنفاس.

حمل ماي الماضي تحديا شديد القسوة، تمثل في تسلق قمتي إيفيريست ولوتسي في دفعة واحدة دون العودة إلى المخيم الأساسي. وهو إنجاز يعرف داخل عالم التسلق بدرجة عالية من الخطورة، بسبب نقص الأوكسجين والإرهاق الكبير الذي يرافق الجسد فوق عتبة الثمانية آلاف متر، حيث يدخل الإنسان منطقة يسميها المتسلقون “منطقة الموت”.

هناك، وسط الصمت الأبيض، استطاعت نوال صفنضلة أن تواصل الصعود؛ خطوة تجر أخرى، وإرادة ترفض التراجع، حتى تحقق الإنجاز، وتصبح أول امرأة مغربية تنجح في بلوغ القمتين معا.

وحمل هذا الإنجاز دلالة تتجاوز الرياضة وحدها، ولحظة رمزية حملت اسم المغرب إلى سقف العالم، وقدمت صورة امرأة اختارت الإصرار طريقا، والعمل الهادئ رفيقا، والحلم بوصلة لا تنطفئ.

حين ينحني الوطن تقديرًا لأبنائه

بلغت رحلة نوال صفنضلة إحدى لحظاتها المضيئة يوم الاثنين الثامن من يونيو، بالقصر الملكي في الرباط، حين استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، المتسلقة المغربية، ووشحها بوسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط، تقديرا لمسار من الإصرار حمل راية المغرب إلى واحدة من أعلى قمم العالم.

علاء البكري