في باشوية المشور بالأحباس، افتتحت الدار البيضاء، مساء اليوم الخميس، صفحة جديدة من حكاية الحرفة الإفريقية وهي تعود إلى الواجهة محملة بألوان الذاكرة وأسئلة المستقبل.
هناك، حيث اجتمعت أنامل من بلدان إفريقية متعددة، انطلقت فعاليات الدورة السابعة عشرة لمعرض “دار المعلمة” والدورة الرابعة لمؤتمر النساء الحرفيات الإفريقيات، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وجاء الافتتاح لحظة رمزية كثيفة الدلالة، ارتفع معها شعار “أنامل النساء الحرفيات تنبض بألف لون ولون من ألوان إفريقيا”، مانحا الحدث معناه الأعمق؛ بوصفه فضاء يلتقي فيه التراث بالتمكين، وتتحول فيه الحرفة من ذاكرة مصونة إلى أفق اقتصادي وثقافي مفتوح.
أيادي إفريقيا: من سحر العرض إلى أسئلة الاستدامة
ورسم برنامج اليوم الأول ملامح هذا الرهان منذ اللحظات الأولى؛ إذ احتضنت الجلسة الفكرية الافتتاحية نقاشا عميقا تحت عنوان “أيادي إفريقيا: تراث حي، صمود وقيادة نسائية”، وضعت فيه الحرفة في صلب التفكير بوصفها رافعة للصمود الاجتماعي والاقتصادي للنساء.
وفي امتداد هذا الأفق الفكري، فتحت الأروقة أسرارها أمام الزوار، لتتحول الخطوات بين القفاطين المطرزة والمنسوجات التقليدية والحلي الراقية إلى عبور حي في تفاصيل الذاكرة الإفريقية المشتركة.
هذا البعد الجمالي، رصده المصمم الباريسي والمدير الفني للتظاهرة، إريك تيبوش، الذي تحدث بشغف عن لوحة قصر المشور التاريخي التي تختزل تمازج الثقافات وتعددها، حيث تلتقي الحرف اليدوية لتسرد بألوانها الفاخرة قصص نساء جئن من كل حدب وصوب ليصنعن هذا التلاقح الفريد.
ولأن الحدث يتجاوز حدود الاحتفاء الفولكلوري، اتجهت جلسات المساء نحو التفكير الصارم في شروط التطوير تحت عنوان “الحكامة النسائية والتميز المؤسساتي”، باحثة عن سبل تنظيم العمل الحرفي النسائي وتقوية شبكاته لرفع قدرته على الاستمرار والتأثير.
مسار ممتد: الحرفة كعصب اقتصادي وهُوية
ويستند هذا الزخم الحالي إلى تجربة ممتدة راكمتها جمعية شبكة النساء الحرفيات بالمغرب “دار المعلمة” منذ تأسيسها بمدينة مراكش سنة 2008، تحت الرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم.
وعلى مدى أكثر من سبعة عشر عاما، واكبت الجمعية أزيد من خمسة آلاف امرأة حرفية من مختلف جهات المملكة، في مسار جعل رئيسة الشبكة، فوزية طالوت المكناسي، تؤكد أن الصناعة التقليدية تظل قوة حية قادرة على صناعة المستقبل متى التقت جودة الإبداع بذكاء التسويق والتطوير.
وفي كلمة وضعت هذا الموعد القاري في سياقه التنموي الأوسع، أشاد عبد اللطيف معزوز، رئيس مجلس جهة الدار البيضاء-سطات، بدور “دار المعلمة” في فتح آفاق جديدة للصانعات التقليديات وطنيا وقاريا.

وأبرز معزوز أن الحرفة النسائية تشكل رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية متى توفرت لها المواكبة وقنوات التسويق، مشددا على أن تبادل الخبرات بين الحرفيات المغربيات والإفريقيات ييسر ولوجهن إلى الأسواق، ويمنح الصناعة التقليدية بعدا قاريا يزاوج بين خلق الفرص وصون الهوية في آن واحد.
وهو الطرح التنموي الذي تماهى معه إريك تيبوش، مستحضرا سبعة عشر عاما من مسيرته كراع فني للحدث، ليوجه نداء يخرج بالحرفة من هامش العرض العابر إلى عصب الاقتصاد الحي المستحق للدعم الفعلي.
ولم يفت تيبوش المزاوجة بين الاقتصاد والفن، معلنا عن عرض أزياء مرتقب يوم السبت 27 يونيو في تمام السادسة مساء بقصر المشور، ليكون تجسيدا حيا للتنوع الثقافي والتلاقح الفني بين تصاميمه ولمسات الحرفيات.

من ذاكرة الحرفة إلى أفق التمكين
وهكذا، حمل افتتاح “دار المعلمة” في الدار البيضاء، منذ ساعاته الأولى، أكثر من رسالة. فقد قدّم صورة عن قارة تحفظ ذاكرتها بالأيدي، وتراهن على نسائها في حماية التراث وتحويله إلى قوة ناعمة واقتصاد ممكن.
كما كشف أن الحرفة، حين تجد التأطير والرؤية والمساحة اللائقة بها، تستطيع أن تعبر إلى قلب النقاش حول التنمية والعدالة الاقتصادية والتمكين.
علاء البكري



