شكري البكري
لا يهمني في هذا الحديث نظرياتُ المؤامرة والطراوة الذهنية لأشرف حكيمي وفريقه؛ كما لا يهمني غضب محمد وهبي والأخبار الزائفة.
ما يهمني حقاً هو أن فرنسا تغلق محطات الأنفاق، وتقفل محيط أرقى شوارعها، وتستنفر كل قواتها الأمنية.
ثم يهمني أن محلات تجاريةً تغلق وتعزز إجراءاتها الوقائية بتغطية الواجهات بالألواح والشبابيك؛ ومواطنين يخافون على سلامتهم وممتلكاتهم؛ وسياحٍ يحرمون من جولاتهم.
ماذا يحدث؟
يحدث أن هناك مباراة في كرة القدم بين المغرب وفرنسا في ربع نهائي الولايات المتحدة.
ويحدث أن باريس تخشى من اشتباك عناصر يمينية متطرفة مع الجماهير المغربية. لكنّ الواقع أنها ربما لم تكن تخشى سوى من اشتباك المشجعين المخدَّرين والسكارى والألتراس والهوليغانز.
تنفست باريس الصعداء بعد المباراة، وقضت ليلة احتفالية كما تقتضيها الروح الرياضية. لكن هل كانت البلاد تستعد لمشاهدة مباراة في كرة القدم أم كانت تتأهب لحرب أهلية؟
ثم السؤال: هل هي العناصر اليمينية المتطرفة التي أضرمت النيران، ورشقت دوريات الشرطة، في لندن البريطانية، وأونفير Anvers البلجيكية، وأمستردام ولاهاي وروتردام الهولندية؟
هل هي كرة قدم أم حربُ شوارع؟
أليست مجرد لعبة للاستمتاع وتزجية الوقت؟
لنا حقاً أن نستاء لهزيمة فريقنا. ولنا حقاً أن نحتفل إذا انتصر. لكن ليس لهذا الاحتفال أو ذاك الاستياء أن يحدث ضرراً -ولا حتى إزعاجاً- للآخرين.
ولا أتحدث هنا عن سيكولوجية الجماهير التي تنهش قميص اللاعب والمدرب بعد تمجيدٍ، ثم ترتاح في مربع المؤامرة بعد كل هزيمةٍ، وتبحث عن المشاجب التي يسميها علماء النفس تعويضاً لتغطية العجز والنقصان.
كما أنني لا أتحدث عن المخدّرين والسكارى واليمينيين والمتطرفين والألتراس والهوليغانز.
بل أتحدث عنّا جميعاً.
نحن الذين فرحنا بفوز المغرب على هولندا مثلا. زعقنا. وطرطقنا المفرقِعات، والمرفقَعات. وأطلقنا العنان لأبواق السيارات… في الخامسة فجراً؛ دون مراعاةٍ لمصحّةٍ، أو مقبرة، أو رضيع، أو مريض، أو مسنّ، أو حاملٍ، أو نفساءَ، أو -بكل بساطة- لمن يمارس حقه الطبيعي في النوم.
والغريب هو أنه عندما تحدثهم في ذلك، يجيبون بأنها روح المواطنة.
فهل هذه سلوكات مواطِنة؟
وهل من المواطنَة أن تتعطل المرافق والخدمات صباحَ غدٍ بعذر أننا سهرنا مع مباراةٍ لكرة القدم وخرجنا للاحتفال؟ عفواً، لإزعاج الآخرين.
وهل من المواطنة أن تتعطل هذه الخدمات والمرافق بحجة مشاهدة مباراة تُجرى أطوارها خلال وقت العمل؟
لنا أن نفرح إذا انتصر فريقنا، ولنا أن نستاء إذا انهزم، لكن ليس لنا أن ننسى بأنها مجرد لعبة. لعبة للاستمتاع وتزجية الوقت، وليس لإثارة المشاحنات بين الأفراد والجماعات.
قد يرفع الفريق الفائز علم بلاده عالياً، ولنا أن نفرح ونفتخر بذلك. لكن في حدود الفرح والفخر اللازمين، دون أعمال عنف وشغب، ودون انتهاك لخصوصية وحريات الآخرين.
والأغرب الأعجب -اللامنطقيُّ والإعداميّ- أنك إذا سألتهم في ذلك، يتبجحون بأنها روح الوطنية.
والسؤال يا سادة: هل تقتصر الوطنية على قمصان اللاعبين وأقدامهم؟
وللحديث بقية، ما دام في العمر بقية…
شكري البكري



