حين يخسر المنتخب الوطني مباراة في كأس العالم، يخسر المغاربة معه لحظة حلم جميلة. فمنذ سنوات، يمثل أسود الأطلس ما هو أبعد من منتخب لكرة القدم؛ فهم عنوان للإرادة والطموح، ومصدر فخر لوطن استطاع أن يفرض احترامه على الساحة الدولية.
غير أن الأمم العظيمة لا تختزل تاريخها في نتيجة مباراة، ولا تجعل مستقبلها رهينًا بانتصار أو هزيمة فوق المستطيل الأخضر.
لقد تابعنا جميعا هذه المباراة بقلوب نابضة بالأمل، وصفقنا للروح القتالية التي تحلّى بها لاعبونا. وفي الوقت نفسه، ندرك أن رهانات المغرب الكبرى تُصنع خارج الملاعب، حيث تتشكل أسس التنمية، ويُبنى الإنسان، وتُرسم ملامح المستقبل.
فالفرح الذي تمنحه كرة القدم، مهما كان مشروعا وجميلا، يظل لحظة عابرة، بينما تصنع التنمية أثرا ممتدا، لأنها تترجم إلى تعليم أجود، ورعاية صحية كريمة، وسكن لائق، وفرص عمل تحفظ الكرامة، وآفاق تمنح الأجيال القادمة ثقة أكبر في المستقبل.
وتظل الرياضة قوة ناعمة تعزز صورة المغرب وتوحد أبناءه، غير أن النجاح الوطني أوسع من حدود المستطيل الأخضر. فمكانة الدول تُقاس بما تمتلكه من مدارس ناجحة، وجامعات رائدة، ومستشفيات مؤهلة، ومراكز بحث وابتكار، ومقاولات منتجة، وعدالة في توزيع الثروات، كما تُقاس بما تحققه من إنجازات رياضية.
وقد اختار المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أن يجعل من التنمية البشرية، والعدالة المجالية، والتحديث الاقتصادي أوراشًا استراتيجية للمستقبل. وقد لا تتصدر هذه الأوراش عناوين الأخبار كل يوم، لكنها تؤسس لتحولات عميقة ستجني الأجيال القادمة ثمارها.
ويظل الاستثمار في الإنسان أعظم الاستثمارات، فهو الذي يصنع الطبيب، والمهندس، والباحث، والمقاول، والحرفي، والمبدع، كما يهيئ أسباب التفوق الرياضي، لأن الرياضة ثمرة منظومة تعليمية واجتماعية واقتصادية متكاملة.
واليوم، وإن توقف الحلم الرياضي عند هذه المحطة، يبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا: ماذا بعد؟
هل سنواصل الحماس نفسه من أجل مدرسة عمومية أكثر جودة؟ وجامعة تنتج المعرفة؟ وصناعة قوية، وفلاحة مستدامة، وصناعة تقليدية مبدعة، وثقافة تليق بتاريخ المغرب، وسياسات اجتماعية تجعل التنمية حقًا للجميع؟
تلك هي المباريات التي لا تنتهي بصافرة حكم، ولا تُحسم في تسعين دقيقة، وإنما تحتاج إلى نفس طويل، وإرادة جماعية، ورؤية وطنية واضحة.
قد نخسر مباراة في كرة القدم، لكن المغرب لا ينبغي أن يخسر معركة التنمية.
فالألقاب الرياضية تزين خزائن الدول، أما التنمية فتزين حياة المواطنين.
وذلك هو الانتصار الذي يستحق أن نعمل من أجله كل يوم.
فوزية طالوت المكناسي


