المرأة في البرلمان المغربي

- Advertisement -

لكل مؤسسة حكايتها، ولكل مقعد تاريخ يروي كيف وصل إليه صاحبه.

وبين جدران البرلمان المغربي، كُتبت على امتداد أكثر من ستة عقود قصة حضور نسائي بدأ بخطوات متأنية، ثم اتسع مع الزمن، حتى أصبحت المرأة رقما مؤثرا في المؤسسة التشريعية، تسهم في سن القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، وتمثيل المواطنين تحت قبة البرلمان.

وتعكس هذه الرحلة جانبا من التحولات التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، كما تجسد تطور نظرة المجتمع والأحزاب السياسية إلى مشاركة المرأة في الحياة العامة.

وتظهر الدراسات الصادرة عن البرلمان المغربي، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والاتحاد البرلماني الدولي، أن التمثيلية النسائية ارتبطت بمسار إصلاحي متواصل، جمع بين التراكم السياسي، والتطوير التشريعي، وتنامي حضور النساء داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.

البدايات: البرلمان ينتظر أول نائبة

افتتح المغرب أول ولاية تشريعية سنة 1963، إيذانا بانطلاق التجربة البرلمانية في المملكة.

وحملت تلك المرحلة رهانات بناء المؤسسات الدستورية وترسيخ الممارسة الديمقراطية، فيما ظل الحضور النسائي غائبا عن مجلس النواب طوال العقود الأولى.

وتواصل نشاط المرأة المغربية خلال تلك الفترة داخل الأحزاب السياسية، والمنظمات النقابية، والجمعيات الحقوقية، واتسعت مساهمتها في مجالات التعليم والإدارة والعمل المدني، لتتكون تدريجيا نخبة نسائية راكمت تجربة سياسية ومجتمعية مهدت الطريق نحو المؤسسة التشريعية.

1993: أول حضور نسائي داخل مجلس النواب

شهدت الانتخابات التشريعية لسنة 1993 محطة مفصلية في تاريخ البرلمان المغربي، بعدما أسفرت عن انتخاب بديعة الصقلي ولطيفة بناني سميرس، لتدخلا تاريخ المؤسسة التشريعية ضمن أول النساء اللواتي حصلن على عضوية مجلس النواب بالاقتراع المباشر.

ومثل هذا الإنجاز بداية مرحلة جديدة في مسار المشاركة السياسية للمرأة المغربية، وفتح الباب أمام حضور نسائي أخذ يتوسع دورة بعد أخرى، مدعوما بعمل متواصل للحركة النسائية، والأحزاب السياسية، والفاعلين المدنيين.

بديعة الصقلي
بديعة الصقلي

اللائحة الوطنية توسع مساحة المشاركة

وجاءت انتخابات سنة 2002 بمستجد مهم تمثل في اعتماد اللائحة الوطنية الخاصة بالنساء، وهي آلية هدفت إلى تعزيز تمثيلية المرأة داخل مجلس النواب، ورفع عدد البرلمانيات بما ينسجم مع التحولات التي عرفها المجتمع المغربي.

وأثمر هذا التوجه ارتفاعا واضحا في عدد النائبات، كما عزز مشاركة المرأة في اللجان البرلمانية، ومناقشة مشاريع القوانين، والوفود البرلمانية، ومختلف هياكل المجلس، لتتحول المشاركة النسائية إلى عنصر ثابت داخل الحياة النيابية.

الدستور يعزز مسار المشاركة

وحمل دستور سنة 2011 دفعة قوية لمسار التمثيلية النسائية، بعدما رسخ مبدأ المساواة، ودعا إلى العمل من أجل تحقيق المناصفة، وجعل توسيع مشاركة النساء في تدبير الشأن العام أحد الخيارات الدستورية للمملكة.

وواكبت القوانين التنظيمية الخاصة بالانتخابات هذا التوجه، وصولا إلى اعتماد الدوائر الانتخابية الجهوية في انتخابات سنة 2021، التي حلت محل اللائحة الوطنية وأسهمت في توسيع الحضور النسائي داخل مجلس النواب.

الأرقام تروي مسارا متصاعدا

ويعكس تطور عدد البرلمانيات حجم التحول الذي عرفته المؤسسة التشريعية المغربية؛ إذ ضم مجلس النواب امرأتين سنة 1993، ثم ارتفع العدد إلى خمس وثلاثين نائبة سنة 2002، واستقر عند أربع وثلاثين نائبة سنة 2007، قبل أن يبلغ سبعا وستين نائبة سنة 2011، وإحدى وثمانين نائبة سنة 2016، ثم ستا وتسعين نائبة عقب انتخابات 2021، وهو أعلى تمثيل نسائي في تاريخ المجلس إلى غاية سنة 2026.

وسجل مجلس المستشارين بدوره حضورا نسائيا متناميا عبر الولايات المتعاقبة، مع اتساع مشاركة النساء داخل الهيئات المهنية والجماعات الترابية والغرف المهنية التي تشكل الهيئة الناخبة للمجلس.

rim chabat

من التمثيل إلى التأثير

وتجاوزت مشاركة المرأة داخل البرلمان حدود الحضور العددي، واتجهت نحو الإسهام في صناعة التشريع، ورئاسة اللجان، والمشاركة في الدبلوماسية البرلمانية، ومناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، إلى جانب الدفاع عن مشاريع قوانين ومقترحات مست مختلف مجالات الحياة العامة.

وأصبح حضور البرلمانيات داخل أجهزة المجلس والفرق النيابية يعكس تطورا في طبيعة المشاركة السياسية، ويؤكد أن الكفاءة والخبرة أضحتا ركيزتين أساسيتين في العمل البرلماني.

مسار يواصل الاتساع

وتكشف تجربة المرأة داخل البرلمان المغربي عن رحلة تراكمية امتدت منذ سنة 1963، وتقدمت بخطوات متواصلة حتى غدت المرأة شريكا فاعلا في المؤسسة التشريعية.

وتحمل كل ولاية برلمانية مؤشرات جديدة على تطور هذا الحضور، مع اتساع مشاركة النساء في المنافسة الانتخابية، وتزايد إسهامهن في صياغة القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، وتمثيل المغرب داخل المحافل البرلمانية الدولية.

علاء البكري