لطيفة بناني سميرس، أستاذة جامعية وبرلمانية سابقة، تُعدّ إحدى أبرز الشخصيات النسائية التي طبعت تاريخ العمل السياسي والحقوقي بالمغرب. فقد كانت من أوائل النساء اللواتي اقتحمن المؤسسة التشريعية، وأسهمن في ترسيخ حضور المرأة داخل الفضاء السياسي الوطني.
امرأة هادئة الحضور، لا تفارق الابتسامة محياها، تجمع بين رقة الطبع وقوة الموقف. يتألق في نظراتها ذكاء خارق، بينما يعكس صوتها الهادئ إصراراً لا يلين على الدفاع عن المبادئ والقضايا التي آمنت بها طيلة مسارها. إنها نموذج للسياسية الملتزمة التي جعلت من خدمة الوطن والدفاع عن قضايا المواطنين والمرأة والأسرة رسالة حياة.
انتُخبت سنة 1993 كواحدة من أول امرأتين تدخلان البرلمان المغربي، في محطة تاريخية شكلت منعطفاً حقيقياً في مسار مشاركة النساء في تدبير الشأن العام.
ومنذ ذلك التاريخ، واصلت حضورها البرلماني والسياسي، لتصبح إحدى أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق النساء وقضايا الأسرة داخل حزب الاستقلال وعلى الساحة الوطنية.
في هذا الحوار، تستعيد لطيفة بناني سميرس أبرز محطات مسارها النضالي، وتُقيّم واقع المشاركة السياسية للمرأة المغربية، كما تقدم رؤيتها لمستقبل المساواة والعدالة الاجتماعية.
مجلة فرح: ما هي المحطة التي تعتبرينها الأكثر تأثيراً في مسارك السياسي والنضالي؟
لطيفة بناني سميرس: أعتبر أن انضمامي إلى حزب الاستقلال كان اللحظة المؤسسة في حياتي السياسية، ثم عضويتي في المجلس الوطني للحزب بدعوة من الأستاذ امحمد بوستة. غير أن المحطة الأبرز تبقى انتخابي سنة 1993 كواحدة من أول امرأتين في البرلمان المغربي. لقد كان حدثاً استثنائياً، لأنه مثّل ولوج المرأة لأول مرة إلى فضاء التشريع وصناعة القرار، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المشاركة النسائية في الحياة السياسية.
وقبل ذلك، وفي سنة 1987، وامتداداً لمخرجات مؤتمر نيروبي الأممي ولأشغال المؤتمر الوطني «المرأة المغربية ماذا تريد؟»، ساهمنا في تأسيس رابطة النساء الاستقلاليات، وتشرفت بتحمل مسؤولية رئاستها الأولى.
مجلة فرح: بعد أكثر من ثلاثة عقود، كيف تنظرين إلى واقع المرأة المغربية سنة 2026؟
لطيفة بناني سميرس: لا يمكن إنكار ما تحقق من مكتسبات مهمة، غير أن الطريق ما زال طويلاً. فحضور النساء في مواقع القرار لا يزال دون المستوى المأمول، وغالباً ما يُختزل في أدوار رمزية أو ثانوية. كما أن المساواة الاقتصادية والاجتماعية لم تبلغ بعد المستوى الذي ينسجم مع طموحات المجتمع المغربي.
ولا تزال هناك معيقات ثقافية ومؤسساتية تحدّ من وصول النساء إلى مواقع المسؤولية. أما بخصوص نظام الكوطا واللوائح الجهوية الخاصة بالنساء، فأنا أعتبرها آليات انتقالية قد تكون ضرورية في مرحلة معينة، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى وضع دائم، لأن الرهان الحقيقي هو تمكين المرأة من الوصول إلى المسؤولية بفضل كفاءتها واستحقاقها.
مجلة فرح: ما هي أبرز المكتسبات التي حققتها المرأة المغربية خلال العقود الأخيرة؟
لطيفة بناني سميرس: أعتقد أن إصلاح مدونة الأسرة والتنصيص الدستوري على مبدأ المساواة يشكلان أهم المكتسبات التي تحققت للمرأة المغربية. فقد أرست هذه الإصلاحات أسساً قانونية أكثر إنصافاً وعدالة.
غير أن القوانين لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا من خلال حسن تنزيلها على أرض الواقع. كما أن مدونة الأسرة مطالبة بمواكبة التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، سواء على مستوى البنيات الأسرية أو الأدوار الجديدة التي أصبحت المرأة تضطلع بها في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية.
ولهذا فإن تعزيز هذه المكتسبات يقتضي الاستثمار في التعليم والتكوين، وتوسيع حضور النساء في مراكز القرار، وضمان التطبيق السليم للقوانين بعيداً عن أي شكل من أشكال التمييز.
مجلة فرح: كيف تقيّمين تطور حضور المرأة داخل حزب الاستقلال؟
لطيفة بناني سميرس: كان حزب الاستقلال من الأحزاب الوطنية السباقة إلى الدفاع عن حقوق المرأة. فالزعيم الراحل علال الفاسي كان من أشد المدافعين عن تعليم المرأة وتحريرها، كما أن المرأة المغربية لعبت أدواراً مشرفة خلال مرحلة الكفاح الوطني من أجل الاستقلال.
لكن، كما هو الحال في مختلف الأحزاب السياسية بعد الاستقلال، ظل حضور النساء في البداية محدوداً ورمزياً. ومع مرور السنوات توسعت مشاركتهن وأصبحن أكثر حضوراً وفاعلية، إلا أن الإمكانات الكبيرة التي تتوفر عليها النساء المغربيات لم تجد بعد الترجمة الكاملة داخل هياكل القرار الحزبي والسياسي.

مجلة فرح: ما هي أبرز التحديات التي ما تزال تواجه المرأة المغربية اليوم؟
لطيفة بناني سميرس: التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من النصوص إلى الممارسة. فما تزال العديد من النساء يواجهن صعوبات في الولوج إلى المسؤوليات العليا، وفي الحصول على الفرص الاقتصادية العادلة والاعتراف المجتمعي المستحق.
إن خدمة الصالح العام تقتضي وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، وهو المبدأ نفسه الذي ينبغي أن يؤطر السياسات العمومية المتعلقة بقضايا النساء.
مجلة فرح: مثّلتِ المغرب في العديد من المنظمات العربية والدولية المعنية بالأسرة. ماذا أضافت لك هذه التجارب؟
لطيفة بناني سميرس: علمتني هذه التجارب أن قضايا الأسرة متشابهة في مختلف أنحاء العالم، وأن التحديات الكبرى تتمحور حول التوازن والحماية ونقل القيم للأجيال القادمة.
كما أكدت لي أن المغرب ظل دائماً حريصاً على تبني مقاربة متوازنة وبناءة داخل المنظمات الدولية، تقوم على الحوار والتقارب واحترام الخصوصيات الثقافية. فالتنوع لا يتعارض مع الوحدة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة وإثراء متبادل.
مجلة فرح: كيف تتمنين أن يخلّد التاريخ مسارك؟
ابتسمت لطيفة بناني سميرس ولم تشأ الإجابة عن السؤال، وفاء لتواضعها المعروف.
أما نحن فنقول: إن التاريخ سيحتفظ باسمها باعتبارها واحدة من النساء اللواتي فتحن أبواب السياسة أمام الأجيال اللاحقة، وحملن صوت المرأة والأسرة إلى مواقع كانت حكراً على الرجال لعقود طويلة. لقد كان نضالها دفاعاً عن الحقوق لا سعياً وراء الامتيازات، وعن القيم لا عن المواقع.
وإذا كان التاريخ سيُنصفها، فسيذكر أنها ساهمت في ترسيخ حضور المرأة المغربية في الوعي الوطني وفي الفضاءين العربي والدولي، وأنها كانت من الأصوات الحكيمة التي آمنت بأن التقدم الحقيقي يبدأ من الأسرة، ويتجسد في كرامة المرأة ومشاركتها الكاملة في بناء الوطن.



