المرأة في الحكومات المغربية منذ الاستقلال

- Advertisement -

تروي الحكومات جانبا من تاريخ الدول، ففي تشكيلاتها تنعكس التحولات السياسية والاجتماعية، وتظهر ملامح النخب التي تتولى صناعة القرار.

وعند تأمل مسار الحكومات المغربية منذ الاستقلال، يبرز حضور المرأة باعتباره واحدا من أكثر التحولات دلالة؛ رحلة بدأت بغياب استمر عقودا، وانتهت بمشاركة نسائية أصبحت جزءا من المشهد السياسي الوطني.

وترصد الباحثة أمينة المسعودي، في كتابها «الوزراء في النظام السياسي المغربي»، تطور المؤسسة الحكومية منذ الاستقلال، موضحة أن تركيبة الحكومات خلال العقود الأولى عكست طبيعة الحياة السياسية آنذاك، حيث ظل القرار التنفيذي حكرا على الرجال، رغم انخراط النساء في الحركة الوطنية وإسهامهن في بناء الدولة الحديثة.

أربعة عقود خارج أسوار الحكومة

ومنذ تشكيل أول حكومة وطنية سنة 1955، تعاقبت الحكومات وتبدلت وجوه الوزراء، بينما بقي اسم المرأة غائبا عن السلطة التنفيذية.

وخلال تلك المرحلة، أخذ الحضور النسائي يتعزز داخل المدرسة والجامعة والإدارة والعمل الحزبي والجمعوي، في وقت ظل مجلس الحكومة مغلقا أمام الكفاءات النسائية.

وامتدت هذه المرحلة أكثر من أربعين عاما، لتصبح واحدة من أطول فترات الغياب النسائي عن مواقع القرار التنفيذي في تاريخ المغرب المستقل.

1997: بداية الحضور النسائي

وشكلت حكومة عبد اللطيف الفيلالي الثالثة، التي تشكلت في غشت سنة 1997، أول منعطف في تاريخ مشاركة المرأة داخل السلطة التنفيذية، بعدما شهدت دخول المرأة المغربية إلى الحكومة لأول مرة منذ الاستقلال، من خلال تعيين أربع كاتبات للدولة دفعة واحدة، هن: زليخة نصري، ونوال المتوكل، وعزيزة بناني، وأمينة بنخضرة، منهية أكثر من أربعة عقود من الغياب النسائي عن مجلس الحكومة.

وأرست هذه الخطوة تقليدا سياسيا جديدا، فتح المجال أمام الكفاءات النسائية لتولي المسؤوليات الحكومية، ومهد الطريق أمام توسع مشاركتهن في الحكومات اللاحقة.

حضور يترسخ مع تعاقب الحكومات

وواصلت حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998 ترسيخ هذا المسار، مع توسيع مشاركة النساء داخل الجهاز التنفيذي، وإسناد مسؤوليات حكومية إلى كفاءات نسائية جديدة، ليتجه الحضور النسائي إلى الاتساع تدريجيا مع الحكومات المتعاقبة، سواء من حيث عدد المشاركات أو طبيعة الحقائب المسندة إليهن.

وشملت هذه المسؤوليات قطاعات التربية والصحة والطاقة والسياحة والصناعة والوظيفة العمومية والاقتصاد، في تطور عكس تنامي الثقة في الكفاءات النسائية، واتساع دائرة مساهمتها في تدبير الشأن العام.

دستور 2011: مشاركة تستند إلى المرجعية الدستورية

وشكل دستور سنة 2011 محطة مفصلية في مسار المشاركة النسائية، بعدما نص على مبدأ المساواة، والعمل على تحقيق المناصفة، وجعلها من المرتكزات الأساسية لبناء دولة الحق والقانون.

ومنذ ذلك التاريخ، اكتسب حضور المرأة داخل الحكومة سندا دستوريا واضحا، وأصبح النقاش يتجه نحو توسيع مجالات المسؤولية، وإسناد حقائب أكثر تأثيرا في رسم السياسات العمومية.

بين التراجع والتقدم

وسار الحضور النسائي بوتيرة متباينة من حكومة إلى أخرى، تبعا للتحالفات السياسية وخيارات تشكيل الأغلبية.

وسجلت حكومة عبد الإله ابن كيران الأولى سنة 2012 تراجعا في عدد النساء، بعدما اقتصرت المشاركة على وزيرة واحدة، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة مواصلة تعزيز تمثيلية المرأة داخل السلطة التنفيذية، بما ينسجم مع روح دستور سنة 2011.

2021: أكبر حضور نسائي

وبلغ هذا المسار إحدى أبرز محطاته مع تشكيل حكومة عزيز أخنوش سنة 2021، التي ضمت سبع وزيرات، وهو أكبر تمثيل نسائي عرفته الحكومات المغربية عند تشكيلها منذ الاستقلال.

وتولت النساء خلالها حقائب استراتيجية، من بينها الاقتصاد والمالية، والسياحة، والإسكان، والانتقال الرقمي، والتضامن، في صورة عكست تطورا واضحا في مكانة المرأة داخل هرم المسؤولية الحكومية.

مسار يواصل الاتساع

وتكشف تجربة المرأة داخل الحكومات المغربية عن مسار تراكمي بدأ مع أول حضور نسائي داخل الحكومة سنة 1997، واتسعت دوائره مع مرور السنوات.

وأصبحت المرأة اليوم تتولى مسؤوليات في قطاعات حيوية، وأضحى وجودها داخل مجلس الحكومة أحد المظاهر البارزة للتحولات التي عرفها المغرب في مجال المشاركة السياسية وتكافؤ الفرص.

وتبقى هذه الرحلة مفتوحة على آفاق أرحب، ترسمها الكفاءة، وتدعمها المقتضيات الدستورية، وتغذيها طموحات متواصلة نحو مشاركة أكثر اتساعا في صناعة القرار العمومي.

علاء البكري