علاء البكري
خلف أبواب المنازل، تقضي عاملات منزليات ساعات طويلة في التنظيف والطبخ والغسيل ورعاية الأطفال وكبار السن، في عمل يضمن الراحة لأسر كثيرة، بينما تظل معاناة بعض العاملات فيه بعيدة عن الأنظار.
وبين الحاجة إلى مورد رزق يعيل أسرهن والرغبة في ظروف عمل تحفظ كرامتهن، تواجه هؤلاء النساء تحديات يومية تتعلق بالإرهاق والأجر وطبيعة المعاملة والخوف من فقدان مصدر الدخل.
يوميات مثقلة بالعمل والمسؤوليات
وتتجاوز أعباء العمل المنزلي لدى بعض النساء المهام اليومية المعتادة، خصوصا عندما تتداخل الأعمال المتفق عليها مع طلبات إضافية، أو تمتد ساعات العمل على حساب الراحة.
وقد تجد العاملة نفسها مطالبة بالتنظيف والطبخ والغسيل، إلى جانب رعاية الأطفال أو كبار السن، في يوم طويل لا يترك لها وقتا كافيا لاستعادة نشاطها.
وتزداد صعوبة هذه الظروف لدى النساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن، إذ يصبح الاستمرار في العمل ضرورة لتأمين المصاريف الأساسية، حتى عندما تكون المهام مرهقة أو تفوق طاقتهن.
وفي حالات كثيرة، يدفع الخوف من خسارة مصدر الرزق بعض العاملات إلى الصمت عن ظروف لا تناسبهن، تجنبا لخلاف قد ينتهي بفقدان العمل.
المرض: هاجس يرافق أيام العمل
إلى جانب مشقة المهام اليومية، يشكل المرض مصدر قلق للعاملات المنزليات اللواتي يعتمدن على أجرهن لتلبية احتياجات أسرهن، لأن التوقف عن العمل قد يعني تراجع الدخل أو انقطاعه، بينما تستمر مصاريف السكن والغذاء والدراسة وغيرها من الالتزامات.
وفي هذا السياق، تقول فاطنة، وهو اسم مستعار لعاملة منزلية في الخمسينات من عمرها، إن «التعب جزء من يومي، لكن ما يخيفني أكثر هو أن أمرض فأعجز عن العمل. فإذا توقفت، توقف دخلي، بينما تبقى مصاريف البيت كما هي. لا أفكر في الراحة ولا في العطلة، فأنا أعيش يوما بيوم على ما أكسبه. كل ما أتمناه أن أتمكن من العلاج حين أحتاج إليه، وألا تضيع سنوات عملي دون أي حماية».
وتكشف هذه المخاوف مدى ارتباط الاستقرار المادي بقدرة العاملة على مواصلة العمل، خصوصا حين لا تتوفر على مدخرات تسمح لها بمواجهة الظروف الطارئة. كما تجعل الراحة والعناية بالصحة مطلبين يصعب تحقيقهما لدى من يضعن احتياجات أسرهن في مقدمة أولوياتهن.
الأجر والاحترام: ما وراء المقابل المادي
لا تتعلق صعوبات العمل المنزلي بالأجر وحده، بل تشمل أيضا طبيعة المهام المطلوبة وطريقة المعاملة ومدى احترام وقت العاملة وحقها في الراحة.
وقد يؤدي غياب الوضوح بشأن المسؤوليات منذ البداية إلى خلافات حول الأعمال التي يتعين إنجازها أو الساعات التي يستغرقها العمل.
وفي هذا السياق، تقول نزهة، وهي عاملة منزلية شابة، إنها لا تطلب معاملة خاصة بقدرما تريد الاحترام وتحديد المهام والأجر وساعات العمل منذ البداية.
وتضيف نزهة: «أحيانا تقبل العاملة شروطا لا تناسبها لأنها بحاجة إلى المال، ثم تكتشف أن العمل أشق مما توقعت. وإذا حاولت الاعتراض، خافت أن تفقد مصدر رزقها. الكرامة عندي لا تقل أهمية عن الأجر، وأتمنى أن ينظر الناس إلى العمل المنزلي باعتباره عملا يستحق التقدير».
وتسلط هذه المطالب الضوء على أهمية العلاقة الإنسانية والمهنية بين العاملة والأسرة المشغلة، إذ يسهم التواصل الواضح والاحترام المتبادل في الحد من الخلافات، ويمنح العاملة شعورا أكبر بالاستقرار والتقدير.
مسؤولية أسرية تضاعف الضغط
تتحمل كثير من العاملات المنزليات مسؤوليات تتجاوز مكان العمل، إذ ينتظرهن بعد انتهاء يومهن الاهتمام بأطفالهن وتدبير شؤون أسرهن ومواجهة متطلبات الحياة اليومية.
ويجعل هذا التداخل بين العمل المأجور والمسؤوليات الأسرية أوقات الراحة محدودة، خصوصا لدى النساء اللواتي لا يجدن من يساعدهن على تقاسم الأعباء.
كما أن الحاجة إلى دخل قار قد تدفع بعضهن إلى قبول ظروف عمل مرهقة أو التنقل بين منازل متعددة خلال الأسبوع، بحثا عن مورد مالي يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
الاعتراف بجهد يبقى خلف الأبواب
يشكل العمل المنزلي جزءا أساسيا من الحياة اليومية لأسر كثيرة، غير أن الجهد الذي تبذله العاملات في التنظيف والطبخ والرعاية يظل في أحيان كثيرة غير مقدر بما يكفي.
وبين مشقة العمل ومسؤوليات الأسرة والحاجة إلى الاستقرار المادي، تتطلع هؤلاء النسوة إلى ظروف تحفظ كرامتهن وتمنحهن شعورا أكبر بالأمان والتقدير.
وتظل معرفة حقوق العاملات المنزليات والضمانات التي تكفلها لهن من المسائل الأساسية لفهم واقع هذه الفئة، وهو ما يتناوله المقال الموالي من هذا الملف، من خلال تسليط الضوء على الإطار القانوني المنظم للعمل المنزلي في المغرب.



