علاء البكري
رغم مرور سنوات على إقرار منع تشغيل القاصرات في العمل المنزلي بالمغرب، ما زالت حماية الفتيات من هذه الممارسة تطرح تحديات تتجاوز النص القانوني. وبين الهشاشة الاجتماعية التي قد تدفع بعض الأسر إلى القبول بعمل بناتهن في سن مبكرة، وصعوبة رصد ظروف العمل داخل المنازل، يظل السؤال مطروحا بشأن مدى نجاح التدابير المتخذة في وضع حد لهذه الظاهرة.
من الحماية القانونية إلى منع التشغيل
لقد شكل القانون رقم 19.12 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل الخاصة بالعاملات والعمال المنزليين خطوة أساسية في تنظيم هذا القطاع، إذ حدد سن 18 سنة حدا أدنى للعمل المنزلي. غير أن القانون أقر فترة انتقالية سمحت بتشغيل من تتراوح أعمارهن بين 16 و18 سنة بشروط محددة، قبل انتهاء هذه الفترة في أكتوبر 2023. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح تشغيل من هن دون 18 سنة في العمل المنزلي محظورا بموجب القانون.
ويعكس هذا التحول توجها نحو تعزيز حماية الطفلات من الاستغلال، وضمان حقهن في التعليم والنمو في ظروف تصون كرامتهن. إلا أن وجود المقتضيات القانونية يظل مرتبطا بمدى تطبيقها، وقدرة الجهات المعنية على الوصول إلى الحالات التي تستدعي التدخل.
ظاهرة يصعب رصدها
ويشير تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر بالمغرب لسنة 2024 إلى تراجع تشغيل الأطفال في العمل المنزلي مقارنة بما كان عليه منذ سنة 2005، مع استمرار ورود تقارير عن فتيات يُستقدمن من مناطق قروية للعمل في المنازل بالمدن، وقد تتعرض بعضهن للعمل القسري والاستغلال. كما يلفت التقرير إلى صعوبة تحديد الحجم الفعلي للظاهرة بسبب تعذر وصول السلطات إلى هذه الفئة داخل المنازل الخاصة.
وتكشف هذه المعطيات عن فجوة بين المنع القانوني وإمكانية رصد المخالفات؛ فالعمل المنزلي يجري في فضاء خاص، وقد تعيش الفتاة لدى الأسرة المشغلة، الأمر الذي يزيد صعوبة اكتشاف وضعها والتحقق من سنها وظروف عملها، خصوصا عندما تغيب الوثائق أو تتعذر عليها الاستعانة بجهة خارجية.
الفقر والهدر المدرسي: عوامل تغذي الظاهرة
وترتبط مخاطر تشغيل القاصرات بعوامل اجتماعية واقتصادية، من بينها هشاشة الأسر، والحاجة إلى مصدر دخل إضافي، وصعوبة الاستمرار في الدراسة لدى بعض الفتيات، خاصة في المناطق التي تعاني محدودية الخدمات التعليمية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن نحو 101 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة كانوا يمارسون نشاطا اقتصاديا بالمغرب سنة 2024، بانخفاض قدره 8.2 في المئة مقارنة بسنة 2023. وتشمل هذه الأرقام مختلف الأنشطة الاقتصادية، ولا تحدد عدد القاصرات المشتغلات في المنازل، ما يجعلها مؤشرا عاما على عمل الأطفال، لا تقديرا لحجم هذه الظاهرة تحديدا.
وتزداد المخاطر عندما يتحول العمل المبكر إلى بديل عن التعليم، أو عندما تُحرم الفتاة من الراحة والحماية وتُكلف بمهام تفوق قدرتها. وقد أشار تقرير وزارة الخارجية الأمريكية إلى تعرض بعض الأطفال العاملين في الخدمة المنزلية للاستغلال، بما في ذلك العمل القسري.
المراقبة والتوعية: مسؤولية مشتركة
ويتطلب التصدي لتشغيل القاصرات الجمع بين تطبيق القانون والوقاية الاجتماعية، من خلال تعزيز مراقبة احترام شروط العمل، والتعريف بمقتضيات الحماية القانونية، وتيسير التبليغ عن الحالات المشتبه فيها. كما تظل مساعدة الأسر الهشة ودعم استمرار الفتيات في الدراسة من التدابير المهمة للحد من العوامل التي تدفعهن إلى سوق العمل في سن مبكرة.
وتضطلع الجمعيات الحقوقية بدور في التوعية ورصد الانتهاكات ومواكبة الفتيات المتضررات، فيما تقتضي حماية هذه الفئة تنسيقا بين الجهات المكلفة بالشغل والطفولة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع مراعاة الضمانات القانونية المرتبطة بالتدخل داخل المنازل.
الحظر القانوني لا يكفي وحده
يصعب الجزم بانتهاء تشغيل القاصرات في العمل المنزلي بالمغرب، في ظل غياب إحصاء وطني حديث يحدد عدد الحالات بعد انتهاء الفترة الانتقالية في أكتوبر 2023. وتؤكد التقارير المتاحة استمرار صعوبة رصد هذه الممارسة، رغم التراجع المسجل تاريخيا والضمانات التي أقرها القانون.
ويظل التحدي الأساسي هو تحويل الحظر القانوني إلى حماية ملموسة تضمن لكل فتاة حقها في التعليم والطفولة الآمنة، وتمنع استغلال حاجتها الاقتصادية أو هشاشة أسرتها لدفعها إلى العمل المنزلي قبل بلوغ السن القانونية.



